الخميس

1447-10-28

|

2026-4-16

فضل القيام في شهر الصيام

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف الزمان مع شرف العبادة، وتتنزّل فيه الرحمات، وتُضاعف الحسنات، وتُفتح أبواب الجنان. لقد أثنى الله تعالى على أهل قيام الليل في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (سورة الذاريات: 17-18).

فهؤلاء قومٌ قلَّ نومهم في الليل طمعًا في رضا الله تعالى، يحيون ساعات السحر بالاستغفار والدعاء، فاستحقوا ثناء الله ومدحه. وقال تعالى أيضًا في وصف عباده الصالحين: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (سورة السجدة، 16). أي ترتفع جنوبهم عن فرشهم، فيتركون لذة النوم، ويقفون بين يدي ربهم خاشعين، يجمعون بين الخوف من عقابه والطمع في رحمته.

أما في رمضان، فإن قيام الليل يتجلى في صلاة التراويح والتهجد، وهو سنةٌ سنّها رسول الله ﷺ لأمته. قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (البخاري، رقم 37. ومسلم، رقم 759). فقوله "إيمانًا" أي تصديقًا بوعد الله، و"احتسابًا" أي طلبًا للأجر لا رياءً ولا سمعة، وجزاؤه مغفرة الذنوب، وهو أعظم ما يتطلع إليه المؤمن.

ومن فضائل قيام الليل في رمضان أنه سببٌ لاغتنام ليلة القدر، تلك الليلة الفضيلة والمباركة التي تعدل ألف شهر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (سورة القدر، الآيات 1-3).

وقد كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهده في غيرها، كما في حديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» (البخاري، رقم 2024. ومسلم، رقم 1174). فإحياء الليل هنا يشمل الصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن. وقيام الليل دليلٌ على صدق المحبة لله، فإن المحبَّ يأنس بمناجاة محبوبه، ويجد في السجود راحةً لقلبه. وقد قال النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (مسلم، رقم 1163). فإذا كان قيام الليل أفضل النوافل مطلقًا، فكيف إذا كان في رمضان، شهر القرآن، وشهر الصيام، وشهر العتق من النيران؟

ولقيام الليل أثرٌ عظيم في تزكية النفس، وتليين القلب، وتربية الروح على الصبر والمجاهدة، فحين يقف العبد في ظلمة الليل، وقد نام الناس وسكنت الأصوات، يشعر بقربه من الله، ويستحضر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (سورة الإسراء، الآية 79)، فكيف إذا اجتمع قيام هذا الليل مع صيام نهاره في شهر رمضان المبارك، شهر مضاعفة الأجر والثواب!؟ أي رحمات وبركات وأي تزكية يمكن أن ينالها العبد في هذا الشهر المبارك!؟

إن قيام الليل طريقٌ إلى رفعة الدرجات، وعلو المنزلة عند الله. وفي رمضان، هناك فرصة متكررة لقيام الليل في جماعة مع المسلمين، وذلك في صلاة التراويح التي تعدل قيام الليل، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الرَّجلَ إذا صلَّى معَ الإمامِ حتَّى ينصرفَ حسبَ لَه قيامُ ليلةٍ» (الترمذي، رقم 806. النسائي، رقم 1364)، حيث تجتمع القلوب في المساجد لأداء صلاة التراويح، فتتوحد الصفوف، وتعلو الأصوات بتلاوة القرآن، وتخشع القلوب بذكر الله، إنه مشهدٌ إيمانيٌّ عظيم، يطهر القلوب ويزكّي النفوس، وهو بابٌ عظيم لعتق رقاب العابدين الصائمين القائمين من النار.

فيا من أدركت رمضان، لا تحرم نفسك لذة القيام، ولو بركعاتٍ يسيرات، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، واجعل لك نصيبًا من الليل، تناجي فيه ربك، وتبث إليه همومك، وتسأله من فضله، فلعلّ ركعةً في جوف الليل تكون سببًا في مغفرة ذنب، أو تفريج كرب، أو رفع درجة.

نسأل الله أن يجعلنا من القائمين في رمضان إيمانًا واحتسابًا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يبلغنا ليلة القدر، ويجعل لنا فيها نصيبًا من رحمته ومغفرته ورضوانه.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022