وقفات تفسيرية في أوائل سورة طه ..
بقلم: د. علي محمد الصلابي
إن أوائل سورة طه من المواضع القرآنية العميقة التي تستوقف القارئ بما تحمله من معانٍ عقدية وتربوية ولطائف بيانية، تجمع بين تسلية النبي ﷺ، وبيان مقصد الوحي، وإظهار عظمة المنزل جلّ سبحانه. فقد افتتحت السورة بحروفٍ مقطعة، تلاها خطاب إلهي يفيض رحمةً ورفقًا، يقرر أن القرآن لم يُنزَل للشقاء، وإنما هو تذكرة تهدي القلوب الخاشعة إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة.
وتأتي هذه الوقفات التفسيرية في محاولة لتأمل هذه الآيات الأربع الأولى، من خلال عرض أقوال المفسرين، واستجلاء ما تحمله من دلالات إيمانية، تكشف عن حكمة التنزيل، وسمو الغاية، وعظيم الأثر الذي يُحدثه القرآن في النفوس التي أقبلت عليه بخشية وتعظيم.
قال الله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾ [طه:١-4].
قال الشنقيطي: قوله تعالى ﴿طه﴾؛ أظهر الأقوال عندي أنه من الحروف المقطعة في أوائل السور ويدل لذلك أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السورة جاءتا في مواضع أخرى لا نزاع فيها في أنهما من الحروف المقطعة، أما الطاء ففي فاتحة الشعراء ﴿طسم﴾، وفاتحة النمل ﴿طس﴾، وفاتحة القصص، وأما الهاء ففي فاتحة مريم في قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ (الشنقيطي، 4/3).
ثم ذكر رحمه الله أقوالاً أخرى في معنى كلمة ﴿طه﴾ وقال: وفي قوله ﴿طه﴾ أقوال أخرى ضعيفة كالقول بأنه من أسماء النبي ﷺ، والقول بأن الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية، يقول لنبيه: يا طاهراً من الذنوب، يا هادي الخلق إلى علام الغيوب، وغير ذلك من الأقوال الضعيفة والصواب إن شاء الله في الآية هو ما صدرنا به ودل عليه القرآن في مواضع أُخر (الشنقيطي، 4/4).
وزاد المفسرون هنا: أن ﴿طه﴾؛ كلمة مفيدة ومعناها يا رجل، أو فعل أمر بالوطء: طأ فقلبت الهمزة هاء وذلك لما روي أن النبي ﷺكان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه (طهماز، 5/219).
قال ابن كثير رحمه الله: روى عن ابن عباس قال: ﴿طه﴾؛ يا رجل وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة والضحاك وأسند القاضي عياض في كتابه "الشفا" عن الربيع بن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رِجل ورفع الأخرى فأنزل الله ﴿طه﴾ يعني: طأ الأرض يا محمد (الصابوني، 2/469).وذكر هذه الرواية أيضاً ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري" (ابن حجر، 8/432).
وإن صحت هذه الرواية: فلعله ﷺ كان يراوح بين قدميه بسبب طول قيامه في تهجده بالليل، وقد صحّ أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم بالليل حتى تتفطر قدماه، فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺكان يقوم من الليل حتى تنفطر قدماه، فقالت عائشة: لمَ تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً (البخاري، رقم ٤٨٣).
وعن المغيرة رضي الله عنه قال: قام النبي ﷺحتى تورّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر قال: أفلا أكون عبداً شكوراً (البخاري، رقم ٤٨٣٦).
قال ابن حجر: وفيه -أيّ: الحديث: أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان- كما قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ ]سبأ:١٣[ وفيه ما كان النبي ﷺمن الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه (ابن حجر، 3/15).
وقال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: إلى ما ورد في ﴿طه﴾؛ فالبعض يرى أنها حروف متصلة وهي اسم من أسماء الرسول ﷺ، وآخرون يرون أنها حروف مقطعة مثل ﴿الم﴾، ومثل ﴿يس﴾؛ فهي حروف مقطعة إلا أنها صادفت اسماً من الأسماء في "ن" حرف وهو اسم للحوت: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ ]الأنبياء:٨٧[، و"ق" حرف: وهو اسم لجبل اسمه جبل "ق"، وبالتالي، لا مانع أن تدل هذه الحروف على اسم من الأسماء فتكون ﴿طه﴾ اسماً من أسماء الرسول ﷺ (الشعراوي، 15/9210).
﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾:
أيّ: ليس المقصود بالوحي وإنزال القرآن عليك وشرع الشريعة لتشقى بذلك، ويكون في الشريعة تكليف يشق على المكلفين وتعجز عنه قوى العاملين، وإنما الوحي والقرآن، والشرع شرعه الرحمن الرحيم، وجعله موصولاً بالسعادة والفلاح والفوز، وسَهّله غاية التسهيل، ويَسّر كل طُرقه وأبوابه، وجعله غذاء للقلوب والأرواح وراحة للأبدان، فتلقته الفُطر السليمة والعقول المستقيمة بالقبول والإذعان لعلمها بما احتوى عليه من الخير في الدنيا والآخرة (السعدي، 3/1017).
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾:
إلا ليتذكر به من يخشى الله تعالى، فيتذكر ما فيه من الترغيب لأجل المطالب فيعمل بذلك، ومن الترهيب عن الشقاء والخسران فيرهب منه، ويتذكر به الأحكام الشرعية المفصّلة التي كان مستقراً في عقله حسنها مجملاً، فوافق التفصيل ما يجده في فطرته وعقله ولهذا سمّاه الله تذكرة، والتذكرة لشيء كان موجوداً، إلا أن صاحبه غافل عنه أو غير مستحضر لتفصيله.
وخصّ بالتذكرة من يخشى لأن غيره لا ينتفع به وكيف ينتفع به من لم يؤمن بجنّة ولا نار ولا في قلبه من خشية الله مثقال ذرة؟ هذا ما لا يكون ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾.
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: الخشية: خوف بمهابة؛ لأن الخوف قد يكون خوفاً دون مهابة، أما الخوف من الله فخوف ومهابة معاً (الشعراوي، 15/9215).
﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾:
- ﴿تَنْزِيلًا﴾:مصدر أنزلناه تنزيلاً، وقد ورد في نزول القرآن أنزلنا ونزلناه ونزل (الشعراوي، 15/9215)، ولأن القرآن أخذ أدواراً عدة في النزول، فقد كان في اللوح المحفوظ، فأراد الله له أن يباشر القرآن مهمته في الوجود فأنزله من اللوح المحفوظ مرة واحدة إلى السماء الدنيا، فأنزله سبحانه، ثم تنزل مفرَّقاً حسب الأحداث من السماء الدنيا على قلب رسول الله ﷺ والذي نزل به جبريل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ]الشعراء:١٩٣[ (الشعراوي، 15/9215).
وإن الآيات المصرحة بأن القرآن منزل من رب العالمين كثيرة جداً معروفة كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ]الشعراء:١٩٢[.
- وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ]الزمر:١[.
- وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ]فصلت:٢[، والآيات التي تمثل ذلك كثيرة جداً (الشنقيطي، 4/5-6).
- وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ ]طه:٤[، خص السموات والأرض، لأنها من أعظم خلق الله، وقد أعدهما الله ليستقبلا الإنسان، فالإنسان طرأ على كون معدّ جاهز لاستقباله، فكان عليه ساعة أن يرى هذا الكون المعدّ لخدمته بأرضه وسمائه ولا قدرة له على تسيير شيء منها، كان عليه أن يُعمل عقله، ويستدل بها على الموجد سبحانه وتعالى، كأن الحق -تبارك وتعالى- يقول لك: إذا كان الخالق سبحانه قد أعدّ لك لكون بما يقيم حياتك المادية، أيترك حياتك المعنوية بدون عطاء؟
إن الله عز وجل أعمل مقومات التكوين العالي لمن جعله خليفة في الأرض، فكما أعطاه ما يقيم حياته ونوعه بخلق السماوات والأرض وما أعطاه من طعام وشراب وهواء، أعطاه ما يقيم معنوياته بنزول القرآن الذي يحرس حركاتنا من شراسة الشهوات، فالذي أنزل القرآن هو الذي خلق الأرض والسموات العلا (الشعراوي، ١٥/٩٢١٧).
- قال ابن كثير: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد تنزيل من رب كل شيء ومليكه، القادر على ما يشاء الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السماوات العلى في ارتفاعها ولطافتها (ابن كثير، 5/267).
- وقال السعدي: ثم ذكر جلالة هذا القرآن العظيم، وأنه تنزيل خالق الأرض والسماوات المدبر لجميع المخلوقات، أيّ فاقبلوا تنزيله بغاية الإذعان والمحبة والتسليم وعظموه نهاية التعظيم.
وكثيراً ما يقرن بين الخلق والأمر كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ]الأعراف:٥٤[، وفي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ ]الطلاق:١٢[، وذلك أن الخالق الآمر الناهي، فكما أنه لا خالق سواه فليس على الخلق إلزام ولا أمر ولا نهي إلا من خالقهم وأيضاً فإن خلقه للحق فيه من التدبير القدري الكوني وأمره فيه التدبير الشرعي الديني، فكما أن الخلق لا يخرج عن الحكمة، فلم يخلق شيئاً عبثاً، فكذلك لا يأمر ولا ينهي إلا بما هو عدل حكمة وإحسان (السعدي، 3/1017).
المصادر والمراجع:
(1) الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، جدة، السعودية، مجمع الفقه الإسلامي، دار علم الفوائد، (د. ت).
(2) طهماز، عبدالحميد محمود، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، دمشق، دار القلم، ط2، 1435ه/ 2014م.
(3) الصابوني، محمد علي، مختصر تفسير ابن كثير، بيروت، دار القرآن الكريم، 2006م.
(4) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح في صحيح البخاري، تحقيق: عبد العزيز ابن باز وآخرون، القاهرة، المطبعة السلفية، ط1.
(5) الشعراوي، محمد متولي، تفسير الشعراوي، القاهرة، مكتبة الأسرة، ط1، 1992م.
(6) السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)، السعودية، الدمام، دار ابن الجوزي، ط4، 1435ه..
(7) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي، تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير، بيروت، دار ابن حزم، 1420ه/ 2000م.