الأربعاء

1447-10-27

|

2026-4-15

﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .. تأملات تفسيرية في محاججة يوسف عليه السلام على وحدانية الله

بقلم: د. علي محمد الصلابي

إن توحيد الله تعالى أساس العقيدة الإسلامية ومحور الرسالات السماوية كلها، وقد جسّد القرآن الكريم هذا المعنى في مواقف دعوية مؤثرة، من أبرزها موقف نبي الله يوسف عليه السلام في السجن حين خاطب صاحبيه بكلمات قليلة لكنها عميقة الدلالة: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. فقد حمل هذا السؤال دعوة صريحة لإيقاظ الفطرة الإنسانية وتوجيهها نحو الإيمان بالله الواحد الذي له الكمال المطلق والسلطان الكامل على الكون كله.

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39]:

لقد رسم يوسف (عليه السلام) بهذه الكلمات القليلة الناصحة الحاسمة المنيرة كلّ معالم هذا الدين وكل مقومات هذه العقيدة كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً عنيفاً.

1- ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾:

أن يتخذ منهما صاحبين ويتحبب إليهما بهذه الصفة المؤنسة ليدخل من هذا المدخل إلى صلب الدعوة وجوهر العقيدة.

2- ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾:

وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها ويهزها هزاً شديداً. إن الفطرة تعرف لها إلهاً واحداً ففيم إذاً تعدد الأرباب؟

إنّ الذي يستحق أن يكون رباً يُعبد ويطاع أمره، ويتبع شرعه هو الله الواحد القهار ومتى توحد الإله وتقرر سلطان القهر في حياة الناس وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد وأنه هو القاهر ثم يدينوا لغيره ويخضعوا لأمره ويتخذوا من دون الله رباً.

إنّ الرب لا بد أن يكون إلهاً يملك أمر الكون ويسيّره ولا ينبغي أن يكون العاجز عن تيسير أمر هذا الكون كله رباً للناس يقهرهم بحكمته وهو لا يقهر هذا الكون كله بأمره.

إن الله الواحد القهار خير أن يدين العباد لربوبيته، من أن يدينوا للأرباب المتفرقة والأهواء الجاهلة القاصرة العمياء عن رؤية ما وراء - المنظور القريب – كالشأن في كل الأرباب إلا الله.

وما شقيت البشرية بشيء قط ما شقيت شقاءها بتعدد الأرباب وتفرقهم وتوزع العباد بين أهوائهم وتنازعهم فهذه الأرباب الأرضية التي تغتصب سلطان الله وربوبيته أو يعطيها الجاهلون هذه السلطان، هذه الأرباب الأرضية لا تملك لحظة أن تتخلص من أهوائها ومن حرصها على ذواتها وبقائها، ومن الرغبة الملحة في استبقاء سلطانها وتقويته، وفي تدمير كل القوى التي تهدد السلطان من قريب أو من بعيد وفي تسخير تلك القوى والطاقات في تمجيدها والطبل حولها والزمر والنفخ فيها كي لا تذبل.

وإن الإله الواحد القهار في غنى عن العالمين فهو سبحانه لا يريد منهم إلا التقوى والصلاح والعمل والعمارة وفق منهجه، فيُعد هذا كله عبادةً، وحتى الشعائر التي يفرضها عليهم إنما يريدها لإصلاح قلوبهم ومشاعرهم ولإصلاح حياتهم وواقعهم... وإلا فما أغناه سبحانه وتعالى عن عباده أجمعين (سيد قطب، 4/1990).

اسم الله (الواحد):

ورد اسم الله الواحد في أكثر من عشرين موضعاً في القرآن ومن ذلك:

- قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16].

-وقوله تعالى ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16].

وإن في الكتب التي تتحدث عن أسماء الله الحسنى يأتي الحديث عن أسماء الله (الواحد) (الأحد). ويقول الشيخ السعدي – رحمه الله -: (الواحد الأحد) هو الذي توحّد بجميع الكمالات وتفرد بكل كمال وجلال وجمال وحمد وحكمة ورحمة وغيرها من صفات الكمال، فليس له فيها مثيل ولا نظير ولا مناسب بوجه من الوجوه فهو الأحد في حياته وقيوميته وعلمه وقدرته وعظمته وجلاله وجماله وحمده وحكمته وغيرها من صفاته، موصوف بغاية الكمال ونهايته من كل صفة من هذه الصفات فيجب على كل العبيد توحيده عقلاً وقولاً وعملاً بأن يعترفوا بكماله المطلق وتفرده بالوحداني وبفروده بأنواع العبادة (الجليل، ص 106).

- اسم الله (القهار):

ورد ذكر اسم الله (القهار) في القرآن الكريم ست مرات اقترن فيها باسمه (الواحد) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48]. وغيرها من الآيات..

وقال الخطابي: (القهار) هو الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة وقهر الخلق بالموت (الجليل، ص 415).

والقهار: اسم مبالغة (للقاهر) وهو الذي خضع له كل شيء وذل لعظمته وقوته كل شيء لا يخرج شيء عن قدرته وتدبيره وملكه. وقهر كل الخلق بالموت، وهذا يفسر - والله أعلم - شيئاً من سر اقتران اسمه (الواحد) باسمه (القهار) حيث إن من موجبات اسمه الواحد في ربوبيته وملكه وألوهيته وأسمائه وصفاته أن يكون قاهراً قهاراً غالباً لكل شيء لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وما من دابة إلا هو سبحانه آخذ بناصيتها ماض فيها حكمة عدل فيها قضاؤه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 56].

وكونه تعالى (الواحد) يقتضي كونه (القهار). ووحدته تعالى وقهره متلازمان، فالواحد لا يكون إلا قهاراً، والقهار لا يكون إلا واحداً، وذلك ينفي الشرك من كل وجه (السعدي، 4/308). إن القهر ملازم للوحدة فلا يكون اثنان قهارين، متساويين في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده كما كان قاهراً وحده (السعدي، 4/199)، كما يشير هذا الاقتران إلى معنى بديع، وهو أن الغلبة والإذلال من ملوك الدنيا إنما يكون بأعوانهم وجندهم وعددهم، والله تعالى يقهر كل الخلق وهو واحد أحد فرد صمد مستغنٍ عن الظهير والمعين، فاقتران الاسمين يشير إلى كماله سبحانه في تفرده وكماله في قهره (الكردي، ص 492).

إن يوسف (عليه السلام) كان يدعو إلى توحيد الله من خلال التعريف بأسمائه الحسنى وفي دعوته لصاحبيه في السجن كان حديثه عن (الواحد القهار) سبحانه وتعالى.

المصادر والمراجع:

1. سيد قطب. في ظلال القرآن، دار الشروق للطباعة، القاهرة، ط 32، 2003 م.

2. الجليل، عبد العزيز ناصر. ولله الأسماء الحسنى، دار طيبة، الرياض، ط3، 1430ه، 2009م.

3. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية، ط4، 1435ه.

4. الكردي، نجلاء. مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022