الأربعاء

1447-10-27

|

2026-4-15

الرسل والأنبياء (عليهم السلام) قدواتٌ في مكارم الأخلاق

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

إن الرسل هم سفراء الله تعالى إلى الخلق لهدايتهم إلى الحقّ، ودعوتهم إلى الخير. وإن هداية البشر مهمّة عظيمة، لا يصلح لها إلّا من توفّرت فيهم صفات رفيعة من الكمالات الإنسانيّة، فالرسول رجل اصطفاه الله من البشر واختصّه بالوحي، وأمره بتبليغه، فهو مصطفى، وموحى إليه، ومُبلّغ عن الله ومِن أهمّ صفاتهم المتعلّقة بالرسالة:

أ- الصدق:

فالرّسل صادقون في أقوالهم وأعمالهم، وقد قال تعالى: على لسان الكافرين حين يُبعثون من قبورهم يوم القيامة: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52]. والرسالة لا يصلح لها كذّاب والرسل مُبلّغون عن الله تعالى، وداعون إلى الحق قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105]. فيستحيل على النبيّ الكذب، وذلك بنقل وحي الله تعالى إلى الناس، فلو صدر منه الكذب لتسرّب شكّ الناس إلى الوحي الذي ينقله إليهم (القرضاوي، 8/378). ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: 44-47].

ب- الفطانة:

الفطنة: هي أن يكون الرسول ذكيّاً عميق الفهم، حاضر البديهة، قويّ الحُجّة، سديد الرأي، ليس غبيّاً ولا بليداً، لأنّ الرسول يُربّي أمّته، ويجادل خصومه، ويقيم البراهين على صحّة ما جاء به (القرضاوي، 8/379).

ج- التبليغ:

لا بد لهذا الصادق الفَطِن أن يُبلّغ ما أوحي إليه من الأحكام والشرائع، وهذا مقتضى الرسالة، فقد قام الأنبياء (عليهم السلام) بتبليغ الرسالة حقّ التبليغ.

د- العِصمة:

وهي حفظ الله تعالى رُسله من المعاصي والذنوب، ليكونوا أسوة حسنة للناس، ولهذا نؤمن نحن المسلمين بعقيدة (عصمة الأنبياء) من الخطايا والرذائل التي تنافي تكليفهم بهداية البشر، وتنفّر الناس منهم، وتجعلهم عرضة للانتقاد.

وإن معنى العصمة: أنّهم لا يتركون واجباً، ولا يفعلون محرّماً، ولا يقترفون ما يتنافى مع الخُلُق الكريم، فأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم دائرة بين الواجب والمندوب، فهم معصومون عن الكبائر وعن المنفّرات، ورسل الله (صلوات الله وسلامه عليهم) معصومون في تبليغ الوحي عن الكذب والنسيان والغفلة، ومعصومون عن الزيادة فيه أو إخفاء بعضه. وهم معصومون أيضاً من الوقوع في كبائر الذنوب، وعن الصغائر التي تدلّ على خَساسىة الطبع، صيانة لعلوِّ مكانتهم (القرضاوي، 8/381-382).

ه- مكارم الأخلاق:

إن الرسل متّصفون بأرفع الكمالات الإنسانيّة، ويتحلَّون بأسمى الأخلاق الفاضلة، مثل الكرم، والعدل، والشجاعة، والصبر، والعفّة، والأمانة، والحلم، والحياء، وسائر مكارم الأخلاق، ولذا فقد وصف الله تعالى نبيّنا الكريم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فالرسالة لا يصلح لها بخيل، ولا حقود، ولا حسود، وإنّما يصلح لها من اتّصف بكرم النفس وطهارتها، وتحلّى بالأخلاق الفاضلة، وإنّما خصّ الله رسله بهذه الصفات ليصحّ الاقتداء بهم، ولو لم يكونوا متميّزين بهذه الفضائل، معصومين من النقائص، لمّا كانوا أهلاً لاختصاص الله إياهم بوحيه، ولضعف ثقة الناس بهم ولضاعت الحكمة من رسالتهم (القرضاوي، 8/390).

ه- الكمال في الخلقة الظاهرة والسلامة من الأمراض المنفّرة:

وكما يجب الإيمان بصدق الرسل وأمانتهم، وتبليغهم وفطانتهم وعصمتهم، فكذلك يجب الإيمان بكمال خلقتهم، فهم يتميّزون بسلامة أبدانهم ممّا تنفر منه الطباع السليمة، فلا يمرضون مرضاً منفّراً أو مُقعداً عن تبليغ رسالاتهم، كالجدري، والجذام، والبرص، والصرع. أمّا الحمّى، فإنّها قد تصيبهم؛ لأنّها لا تمنعهم من أداء رسالتهم، وقد كان النبي ﷺ يمرض، وتُصدّع رأسه، ومن ذلك ما رواه ابن مسعود: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكاً شديداً، فمسسته بيديّ، وقلت: يا رسول الله إنّك توعك وعكا ًشديداً، فقال ﷺ: «أجل، كما يوعك رجلان منكم» (رواه البخاري، كتاب المرضى، بَاب وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْمَرِيضِ، رقم 5228).

وما يُحكى عن سيّدنا أيّوب (عليه السلام) من أنّه اشتد به المرض، وصار الدود يخرج من بدنه، كذب وافتراء وتشويهات إسرائيليّة يتنزّه منصب النبوّة عنها (القرضاوي، 8/391).

المصادر والمراجع:

1. القرضاوي، يوسف. موسوعة الأعمال الكاملة.

2. الصلابي، علي محمد، إدريس وإلياس وذو الكفل واليسع عليهم السلام.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022