تأملات في فضل "لا إله إلا الله" وآثارها العظيمة
بقلم: د. علي محمد الصلابي
ورد في كتاب الله تعالى وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) من الفضائل الجمّة لهـذه الكلمة، والخصالِ العديدة، والأوصافِ الحميدةِ، ما يَصْعبُ استقصاؤه في هـذا الموضع، فهي كلمةٌ قامت بها الأرضُ والسماوات، وخُلِقَتْ لأجلها جميعُ المخلوقاتِ، وبها أَرسلَ الله تعالى رسلَه، وأنزلَ كتبَه، وشرعَ شرائعَه، ولأجلِها نُصِبَتْ الموازينُ، ووضعت الدواوينُ، وقام سوقُ الجنّة والنار، وبها انقسمتِ الخليقةُ إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجّار، فهي منشأُ الخلقِ والأمر، والثوابِ والعقابِ، وهي الحقُّ الذي خُلِقَتْ له الخليقةُ، وعنها وعن حقوقها السؤالُ والحسابُ، وعليها يقعُ الثوابُ والعقابُ، وعليها نُصِبَتِ القبلةُ، وعليها أُسِّسَتِ الملّةُ، ولأجلِها جُرِّدَتِ سيوفُ الجهادِ، وهي حقُّ اللهِ على جميعِ العبادِ، فهي كلمةُ الإسلام، ومفتاحُ دارٍ السلامِ، وعنها يُسْأَلُ الأولون والآخرون، فلا تزولُ قدما العبدِ بين يدي الله حتى يُسْألَ عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟
فجوابُ الأولى: بتحقيق (لا إله إلا الله) معرفةً، وإقراراً، وعملاً.
وجواب الثاني: بتحقيق (أن محمداً رسول الله) معرفةً، وإقراراً، وانقياداً، وطاعة (زاد المعاد، ابن القيم، (1/34).
ومما ورد في فضل هـذه الكلمة في القرآن الكريم أنّها وُصِفَتْ بالكلمة الطيبة، والقولِ الثابتِ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طِيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *﴾ [ابراهيم :24 ـ 25] وأنها العروة الوثقى، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة :256] ومن فضائلها أنّ الرسل جميعَهم أُرسلوا بها مبشرين ومنذرين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *﴾ [الانبياء :25] إلى غير ذلك من الفضائل التي ذُكِرتْ في القرآن الكريم.
وأما ما ورد في فضلها في السنة المشرفة فكثيرٌ جدّاً، نذكرُ منه بعضُها:
فمن ذلك أنها أفضل شعب الإيمان، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «الإيمانُ بِضْعٌ وسبعونَ، أو بِضْعٌ وستون، شُعْبَةً، أفضلُها قولُ لا إله إلاّ الله، وأَدْناها إمَاطَةُ الأذى عن الطريق».
ومن فضائلها أن الجهاد أُقِيْمَ من أجل إعلائها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتّى يَشْهَدوا أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ، ويقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك، عَصَمُوا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلاّ بحقِّ الإسلامِ، وحسابُهم على اللهِ) (الإيمان بالله، علي الصلابي، ص24).
ومن فضائلها أنّها ترجُحُ بصحائفِ الذنوب، كما في حديث البطاقة، فعن عبد الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ سَيُخَلِّصُ رجلاً مِنْ أُمَّتي على رؤوس الخلائق يومَ القيامةِ، فَيَنْشُرُ عليه تسعةً وتسعينَ سِجِلاًّ، كُلُّ سِجِلِّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يقولُ: أتُنْكِرُ مِنْ هـذا شيئاً، أظلمَكَ كَتَبتي الحافظونَ؟ فيقولُ: لا يا ربِّ. فيقولُ: أفلك عُذْرٌ؟ فيقولُ: لا يا ربِّ.
فيقولُ: بلى إنَّ لكَ عِنْدَنَا حسنةً، فإنه لا ظُلمَ عليكَ اليومَ، فتُخْرَجُ بطاقةٌ، فيها: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدُه ورسولُه، فيقول: احْضُرْ وزنَكَ. فيقول: يا ربِّ ما هـذهِ البطاقةُ مَعَ هـذهِ السجّلاتِ؟
فقال: إنّك لا تُظْلَمُ. قال: فتوضع السجلاّتُ في كِفّةٍ، والبطاقةُ في كِفّةٍ، فطاشتِ السجلاّتُ، وَثَقُلَتِ البطاقةُ، فلا يَثْقُلُ مَعَ اسمِ اللهِ شيءٌ» (الترمذي، 2639).
المراجع:
• زاد المعاد لابن القيم الجوزية.
• الإيمان بالله تعالى، علي الصلابي.
• صحيح الترمذي للإمام الترمذي