الأربعاء

1447-10-27

|

2026-4-15

جمع القرآن الكريم في مصحف واحد على عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب مسيلمة الكذَّاب في اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتجَ عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجمع القرآن، حيث جُمِعَ من الرقاع والعظام والسَّعْف ومن صدور الرجال، وأسندَ أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا العمل العظيم، والمشروعَ الحضاريَّ الضخم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه. (حروب الردة وبناء الدولة، أحمد سعيد ص (145))

يروي زيد بن ثابت رضي الله عنه فيقول: بعث إليَّ أبو بكر رضي الله عنه فقال: إنّ عمر أتاني فقال: إنَّ القتلَ قد استحرّ يومَ اليمامة بقرّاء القرآن، وإنِّي أرى أنْ تأمرَ بجمع القرآن، قلتُ لعمر: كيفَ أفعلُ شيئاً لم يفعله رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ (أبو بكر الصديق، د. علي الصلابي، ص262) فقال عمر: هذا واللهِ خيرٌ، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرحَ الله صدري للذي شرحَ له صدرَ عمر، ورأيتُ في ذلك الذي رأى عمر، قال زيدٌ: قال أبو بكر: وإنّك رجلٌ شابٌّ عاقل لا نتهمك، وقد كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبّع القرآن فاجمَعْهُ، قال زيد: فوالله لو كلّفوني نقل جبلٍ من الجبال ما كان بأثقلَ عَليّ مما كلفني به من جمع القرآن، فتتبعتُ القرآن من العسب واللِّخاف، وصدورِ الرجال، والرِّقاع، والأكتاف. قال: حتى وجدتُ اخرَ سورةِ التوبةِ مع أبي خزيمة الأنصاريِّ، لم أجدها مع أحدٍ غيره، وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، حتى خاتمة براءة، وكانت الصحف عند أبي بكر في حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم. (البخاري رقم (4986))

وعلق البغوي على هذا الحديث فقال: فيه البيانُ الواضحُ أنّ الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من غير أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه شيئاً، والذي حملهم على جمعه ما جاء في الحديث؛ وهو أنّه كان مفرّقاً في العسب واللخاف وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفةِ رسول الله، ودعَوْه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم، فأمر بجمعه في موضعٍ واحدٍ باتفاقٍ من جميعهم، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يقدموا شيئاً أو يؤخروا أو يضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى أصحابه، ويعلّمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الان في مصاحفنا بتوقيفٍ جبريل صلوات الله عليه إياه على ذلك، وإعلامه عند نزولِ كلِّ ايةٍ أنّ هذه الاية تكتب عَقِبَ ايةِ كذا في السورة التي يذكر فيها كذا. (شرح السنة، للبغوي (4/522))

وهكذا يتضح للقارئ الكريم أنّ من أوليات أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنّه أوّل من جمع القرآن الكريم، يقول صعصعة بن صَوْحان رحمه الله: أول من جمع القرآن بين اللوحين، وورّث الكلالة، أبو بكر.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يرحم الله أبا بكر، هو أول من جمع القرآن بين اللوحين. (أخرجه ابن أبي شيبة (7/196) وإسناده صحيح)

وقد اختار أبو بكر رضي الله عنه زيدَ بن ثابتٍ لهذه المهمة العظيمة، وذلك لأنّه رأى فيه المقوّمات الأساسية للقيام بها، وهي:

1ـ كونه شاباً، حيث كان عمره واحداً وعشرين عاماً، فيكون أنشطَ لما يُطْلبُ منه.

2ـ كونه أكثر تأهيلاً، فيكون أوعى له، إذ مَنْ وهبه الله عقلاً راجحاً فقد يسّر له سُبُلَ الخير.

3ـ كونه ثقة، فليس هو موضعاً للتهمة، فيكون عملُه مقبولاً، وتركنُ إليه النفوس، وتَطمئن إليه القلوب.

4ـ كونه كاتباً للوحي، فهو بذلك ذو خبرةٍ سابقةٍ في هذا الأمر، وممارسةٍ عمليةٍ له فليس غريباً عن هذا العمل، ولا دخيلاً عليه.

5ـ ويضافُ لذلك أنّه أحد الصحابة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع الإتقان.

وأما الطريقة التي اتبعها زيد في جمع القرآن؛ فكان لا يثبِتُ شيئاً من القرآن إلا إذا كان مكتوباً بين يدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومحفوظاً من الصحابة، فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، خشيةَ أنْ يكونَ في الحفظِ خطأ أو وهمٌ، وأيضاً لم يقبل من أحدٍ شيئاً جاء به إلا إذا أتى معه شاهدان يشهدان أن ذلك المكتوبَ كُتِبَ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّه من الوجوه التي نزل بها القرآن. (التفوق والنجابة، حمد العجمي ص (73))

وعلى هذا المنهج استمرّ زيدٌ رضي الله عنه في جمع القرآن حَذِراً، متثبّتاً، مبالغاً في الدقة والتحري.

إنّ زيداً اتبع طريقة في الجمع نستطيعُ أن نقولَ عنها من غير ترددٍ: إنّها طريقةٌ فذّة في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، وإنها طريقة التحقيق العلمي المألوف في العصر الحديث، وإنّ الصحابيَّ الجليل قد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة، وإنّ هذه الدقة في جَمْعِ القرآن متصلةٌ بإيمان زيد بالله، فالقرآن كلامُ الله جل شأنه، فكل تهاونٍ في أمره، أو إغفالٍ للدقة في جمعه وزر؛ ما كان أحرص زيداً ـ في حسن إسلامه، وجميل صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنزه عنه.

إنّ ما قام به زيد بن ثابت رضي الله عنه بتكليفٍ من خليفة المسلمين أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومشورةِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومعاونةِ أبي بن كعب رضي الله عنه، ومشاركة جمهور الصحابة ممّن كان يحفظ القرآن أو يكتبه، وإقرارُ جَمْعٍ من المهاجرين والأنصار مظهرٌ من مظاهر العناية الربانية بحفظ القرآن الكريم، وتوفيقٌ من الله للأمة الإسلامية، وتسديدٌ منه لمسيرتها، ويتضمن ذلك ـ أيضاً ـ كما قال أبو زهرة: حقيقتين مهمتين تدلان على إجماع الأمة كلِّها على حماية القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل، وأنّه مصونٌ بعناية الله سبحانه وتعالى، ومحفوظٌ بحفظه وإلهام المؤمنين بالقيام عليه، وحياطته. (الحضارة الإسلامية، توفيق الواعي ص (281))

الأولى: أن عمل زيد رضي الله عنه لم يكن كتابة مبتدأة، ولكنه جمع مكتوب (تميز الأمة الإسلامية (1/603))، فقد كُتِبَ القرآن كلُّه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل زيدٍ الابتدائي هو البحثُ عن الرقاع والعظام التي كان قد كُتِبَ عليها، والتأكد من سلامتها بأمرين، بشهادةِ اثنين على الرقعة التي فيها الايةُ والآيتان أو الآيات، وبحفظ زيدٍ نفسه، وبالحافظين من الصحابة، وقد كانوا الجمعَ الغفيرَ، والعددَ الكبيرِ، فما كان لأحدٍ أن يقول: إنَّ زيداً كتب من غير أصلٍ مادي قائمٍ، بل إنّه أخذَ من أصلٍ قائمٍ ثابتٍ مادي، وبذلك نقرِّرُ أن ما كتبه زيد هو تماماً ما كُتِبَ في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنّه ليس كتابة زيد، بل ما كتب في عصره عليه الصلاة والسلام، وأملاه، وما حفظه الروح القدس.

الثانية: أن عمل زيد لم يكن عملاً أحادياً، بل كان عملاً جماعياً من مشيخة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد طلب أبو بكر إلى كل ما عنده شيءٌ مكتوب أن يجيء به إلى زيد، وإلى كلِّ مَنْ يحفظ القرآن أن يدلي إليه بما يحفظه، واجتمع لزيدٍ من الرقاع والعظامِ وجريدِ النخل ورقيق الحجارة، وكل ما كَتَبَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند ذلك بدأ زيد يرتبه ويوازنه ويستشهد عليه، ولا يثبِتُ ايةً إلا إذا اطمأن إلى إثباتها، كما أوحيت إلى رسول الله. (دراسات في القران، أحمد خليل ص(90))

واستمرّ الأمر كذلك، حتى إذا ما أتمَّ زيدٌ ما كتبَ، تذاكره الناس، وتعرفوه، وأقروه، فكان المكتوب متواتراً بالكتاب، ومتواتراً بالحفظ في الصدور، وما تمّ هذا الكتاب في الوجود غير القرآن ـ وايم الله ـ عناية من الرحمن خاصة بهذا القرآن العظيم. وشرف للأمة الإسلامية تميزت به على سائر الأمم، ووفقها الله لخدمة كتابه في منهج علمي سبقت إليه جميعَ الأمم. (الإيمان بالقرآن الكريم، د. علي الصلابي، ص137)

المراجع:

• الإيمان بالقرآن الكريم والكتب السماوية، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير – دمشق، ط1، 1431هـ - 2010م.

• حروب الردة وبناء الدولة، أحمد سعيد سلم، دار المنار، ط1، 1415هـ - 1994م.

• الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبو بكر الصديق – شحصيته وعصر -، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير – دمشق، ط1، 2025م.

• شرح السنة، أبو محمد الحسين البغوي الشافعي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، المكتب الإسلامي - دمشق، ط2، ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.

• التفوق والنجابة على نهج الصحابة، حمد بن بليه بن مرهان العجمي، العبيكان للنشر.

• الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية، توفيق يوسف الواعي.

• دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه، إسحاق بن عبد الله السعدي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ط1، ١٤٣٤هـ - ٢٠١٣م.

• دراسات في القران، أحمد خليل، دار المعارف.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022