إلى أهل اليمن: خذوا بالأسباب، وثقوا بنصر الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2].
مهما اشتدت المحن، وطال البلاء، وبلغ الظالمون من القوة والسلطان، فإن الله أعلى وأجلّ منهم، ولا يعجزه أن يرفع الظلم ويغيّر الأحوال. وقد تضيق السبل في أعين الناس حتى يظنوا أن خلاصهم مستحيل، ثم يهيّئ الله من الأسباب ما يفتح لهم أبواب الفرج. والمؤمن الذي يعرف ربّه لا يستسلم لهذا اليأس؛ يصبر ويعمل، ويتعلّم من تجارب غيره، ويأخذ بالأسباب، وقلبه معلّق بالله، يعلم أن قوة الظالم لا تجعله بمنأى عن حسابه.
لقد صمد الشعب الأفغاني خلال سنوات طويلة من الحرب والوجود العسكري الأجنبي، وتحمّل من القتل والدمار والتشرّد ما أثقل حياته. وحشدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الجيوش، وأنفقت مئات المليارات، وامتلكت من السلاح والإمكانات ما امتلكت، ثم تضافرت ظروف داخلية وإقليمية ودولية انتهت بخروج قواتها عام 2021، بعد حرب امتدت نحو عشرين عامًا.
وفي هذه التجربة عبرة لمن يظن أن مصائر الشعوب تبقى إلى الأبد في أيدي الأقوياء؛ فقد انتهى ذلك الوجود العسكري، وبقي الأفغان في أرضهم، يتطلعون إلى استعادة حياتهم وإعمار بلادهم. ونستحضر في ذلك أن الله يهيّئ من أسباب الفرج ما لا تحيط به توقعات البشر، وأن ما يبدو بعيدًا قد تتغيّر الظروف التي تحول دونه.
وقد أتاح خروج القوات الأجنبية فرصةً للأفغان ليتفرّغوا لبناء دولتهم، وهي أمانة تحتاج إلى قيادة راشدة تجمع كلمتهم، وتحفظ حقوقهم، وتستعين بكفاءاتهم، وتأخذ بأسباب النهوض. فالشعب الذي تحمّل الحرب يحتاج إلى أن يرى ثمرة صبره أمنًا وعدلًا وتعليمًا وعمرانًا، وأن يجد في بلاده ما يصون كرامته ويطمئنه على مستقبل أبنائه وبناته. وبناء الدولة يحتاج إلى حكمة وأمانة وعمل، كما يحتاج إلى حسن الانتفاع بالظروف الإقليمية والدولية بما يخدم مصالح الشعب ويحفظ استقلاله.
ثم تأمّلوا التجربة السورية، واستحضروا حال السوريين قبل سقوط حكم الأسد؛ قتل واعتقال وتهجير، وبيوت مهدّمة، وأسر موزّعة بين الحصار والمخيمات وبلاد اللجوء. وكانت قوى ومصالح كثيرة تزيد معاناتهم وتعوق خلاصهم، حتى استبعد كثيرون أن يروا نهاية ذلك الحكم.
ثم تبدّلت الأحوال، وسقط حكم الأسد في ديسمبر 2024، ورأينا فرحة المعتقلين بالخروج، وفرحة الأسر باللقاء، وتجدد أمل المهجّرين في العودة. ومن تأمّل حال هؤلاء الناس في أشد أيام محنتهم، ثم رأى ما جرى، عرف أن ضعف اليوم لا يحكم على الغد، وأن طول الظلم لا يمنحه حق البقاء.
ونستحضر في هذه التجربة لطف الله بالمظلومين، ونتعلّم أهمية الصبر والإعداد والتنظيم وحسن التعامل مع تغيّر الظروف. ثم تأتي مسؤولية القيادة في جمع الناس على العدل، والاستفادة من أهل العلم والخبرة، وحماية الدماء والحقوق، وبناء مؤسسات تخدم المواطنين؛ حتى تتحوّل فرحة الخلاص إلى حياة آمنة، ويجد الناس أثر التغيير في بيوتهم وأعمالهم ومستقبل أبنائهم.
يا أهلنا في اليمن، نذكّركم بهاتين التجربتين لتقوى عزائمكم، ولتأخذوا منهما ما ينفعكم في طريق الخلاص والبناء. فالله قادر على أن يرفع عنكم الظلم، ويخلّص صنعاء من تسلّط الحوثيين، ويجمع شمل بلادكم، ويهيّئ لكم من الأسباب ما تستعيدون به أمنكم وقراركم وكرامتكم. ولا قوة إقليمية أو دولية تخرج عن سلطانه، ولا أحد يملك أن يمنع رحمةً أرادها لعباده. قال تعالى:
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160].
وإن من الأخذ بالأسباب أن تجمعوا كلمتكم، وتصلحوا خلافاتكم، وتقدّموا مصلحة اليمن على مصالح الأشخاص والجماعات، وتستعينوا بأهل الأمانة والكفاءة. وفي شعبكم من القدرات والخبرات ما يستحق أن يجتمع لبناء البلاد، وأن يجد قيادةً تحمل همّه، وتحفظ حقوقه، وتحسن توجيه جهوده إلى الأمن والاستقرار والنهوض.
فأعدّوا لبناء اليمن، وأحسنوا التخطيط، وتعلّموا من الأخطاء، واحفظوا دماء الناس، وأغيثوا المحتاج، واستعينوا بالله في أمركم كله. فصدق التوكل يظهر في بذل الجهد والثبات على العمل، وفي ألا يستسلم الإنسان إذا تعسّرت عليه الأسباب. قال تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
ومن حقكم أن تنتهي الحرب، وأن تأمنوا في بيوتكم، وأن يعود أبناؤكم إلى مدارسهم وأعمالهم، وأن تنصرف طاقاتكم إلى إعمار بلدكم. وعلى إخوانكم أن يقفوا معكم، وينصروا مظلومكم، ويعينوا محتاجكم؛ فلا يُترك الشعب في محنته، ثم يُكتفى بمطالبته بالصبر.
أما الظالمون، فلا يغرّنّهم امتداد سلطانهم؛ فإن الله يعلم ما فعلوا، وحقوق المظلومين لا تضيع عنده، والخلق جميعًا صائرون إلى حسابه. قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].
فاثبتوا يا أهل اليمن، ولا تجعلوا طول البلاء يُنسيكم سعة رحمة الله.... ثقتنا بعدله ثابتة، ورجاؤنا بنصره عظيم، ونسأله أن يعجّل بزوال الظلم، وأن تعود صنعاء آمنةً لأهلها، ويجتمع اليمن على العدل والكرامة. نعمل بما نستطيع، ونصبر على مشقة الطريق، ونفوّض أمرنا إلى الله، مستحضرين قوله تعالى:
﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128].