الأحد

1447-06-09

|

2025-11-30

حوار إبراهيم عليه السّلام مع أبيه: حكمة الدعوة وبلاغة الخطاب (3)

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

بعد أن كشف إبراهيم - عليه السّلام - بطلان عبادة الأصنام وبيان المصدر الذي يستمد منه ويعتمد عليه في دعوة أبيه، بيّن أن طريقه هو طريق الشيطان، وهو يريد أن يهديه إلى طريق الرحمن. (في ظلال القرآن، سيد قطب، (4/2311)). قال تعالى: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)} ]مريم:44-45]

1. {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ}:

يوصي إبراهيم - عليه السّلام - أباه ألا يعبد الشيطان؛ لأن من عبد غير الله فقدْ عبد الشيطان، كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ]يس:60[، والمراد بعبادة الشيطان: عبادة الأصنام، وإنما نهّاه عن عبادة الشيطان؛ لأنه الآمر بها المزيّن لها، والموسوس باتباعها أو المراد بعبادة الشيطان طاعته والعمل بوسوسته، ومن أطاع شيئاً في معصية فقد عبده، أو من عبد الأصنام فقد عبد الشيطان.

2. {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا}:

ذكر إبراهيم - عليه السّلام - في هذه الآية علة النهي عن عبادة الشيطان، فكأنه قال به: لا تعبد الشيطان؛ لأنه شديد العصيان لله تعالى واسع الرّحمة الذي أفاض عليك بنعمه، ولا يليق بك أن تعبد من عصى ربه وتنكّر لنعمه عليه وخالف أمره، وذكر وصف {عَصِيًّا} الذي هو من صيغ المبالغة في العصيان مع التعبير بفعل {كَانَ}؛ للدلالة على أنه لا يفارق عصيان ربَّه وأنه متمكّن منه. (تأملات في سورة مريم، عادل أحمد صابر الرويني، ص190)

وذكر لفظ الرحمن دون غيره؛ لعده أمور أهمها ما يأتي:

- التنبيه على سعة رحمة الله، وبالتالي فإن في هذا وصفه هو الذي ينبغي أن يُعبد ولا يُعصى.

- الإعلام بشقاوة الشيطان، حيث إنه عصى من هذه صفته وارتكب من ذلك ما طرده من هذه الرّحمة، وفي هذا إظهار لكمال شناعة عصيانه.

- الإشارة إلى أن المعاصي تمنع العبد من رحمة الله الواسعة وتغلق عليه أبوابها، كما أن الطاعة أكبر سبب لنيل الرّحمة الإلهية والأَوْلى الاتجاه إلى طاعة الله. (القصص القرآني بين الآباء والأبناء، عماد زهير حافظ، ص65)

وكان الظاهر أن يقال: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} بإضمار لفظ "الشيطان"، ولكنه أظهر اسمه ثانية؛ لزيادة التنفير من طاعته، واستبشاع عبادته، حيث إن مجرد ذكر اسمه ثانية مستكرَه ومستنكَر ومستفظَع في وجدان كل إنسان سويّ، وكان الإظهار في مقام الإضمار أيضاً؛ لتكون جملة التذييل مستقلة بذاتها وقائمة بنفسها، بحيث تكون موعظة منفصلة مستقلة، وفصل بين جهة التذييل {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} وبيّن سابقتها لاختلاف الجملتين خبراً وإنشاءً. (إبراهيم خليل الله، د. علي الصلابي، ص215)

3. {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}:

إنَّ إبراهيم - عليه السّلام - حذّر أباه من عذاب الله تعالى وسخطه عليه إن مات على ما هو عليه من عبادة الأوثان وطاعة الشيطان؛ لأنه سيكون حينئذ قريناً للشيطان في العذاب والطرد من رحمة الله تعالى، وقد بدأ الابن البار موعظته الرابعة بما بدأ به مواعظه السابقة، بنداء التلطف والمحبة، بنداء الأخوة {يَا أَبَتِ}، وجاء حديثه متناسقاً مع مقام شفقة إبراهيم - عليه السّلام - وخوفه على أبيه وحرصه عليه ورحمته به حيث قال: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ}، فعبّر بالخوف، والخوف هو توقّع المكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، فهو غير مقطوع فيه بما يخاف. (تأملات في سورة مريم، مرجع سابق، ص193)

إذن إبراهيم - عليه السّلام - لم يصرّح بأن عذاب لاحق، بل أخرج ذلك مخرج الخوف الدالِّ على الظنِّ دون القطع، وذلك تأدباً مع الله تعالى أيضاً، فهو لم يثبت أمراً فيما هو من تصرف الله تعالى، وأيضاً إبقاءً للرحمة في نفس أبيه؛ لينظر في التخلص من ذلك العذاب بالإقلاع عن عبادة الأوثان وطاعة الشيطان. (تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، (16/118))

ولو قال لأبيه: إنَّ العذاب لاحقٌ بك لأقنطه ولأغلق أمامه النجاة التي ربما ينظر في ولوجها، وعبّر عن لحوق العذاب بأبيه وإصابته له، بلفظ المسّ الذي هو ألطف من المعاقبة، والمشعر بقليل من الإصابة، ولم يذكر له ما يُنبئ عن شدة العذاب، كما نكّر لفظ "العذاب" للتقليل. (تفسير الزمخشري، (2/511))

وذكر صفة {الرَّحْمَنِ} هو للإشارة إلى أن حلول العذاب من شأنه أن يرحم إنما كان لفظاعة جرمه إلى حد أن يحرمه من رحمة من شأنه سعة الرّحمة.

وأُوثرت تلك الصفة أيضاً؛ للإشعار بأن الرّحمة لا تمنع حلول العذاب، ولا تنافيه وفي الوصف أيضاً دلالة على سبق الرّحمة الغضب، وقيل: إنَّ التنكير في كلمة "عذاب" للتعظيم، والمراد بالمسّ مطلق الإصابة، فيكون مقصوداً به المبالغة فيها، كما في قوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ]النور:14[، والمقام مقام تخويف وتحذير، فيناسبه ذلك، وقيل: إن تنكير "عذاب" للتهويل.

ولما حذّر إبراهيم أباه من عذاب الله بيّن له مآل هذا العذاب والنتيجة المترتبة عليه، فقال: {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}، أي: في الدنيا والآخرة، فتنزل بمنازله الذميمة، وترتع في مراتعه الوخيمة، فتدرّج الخليل - عليه السّلام - بدعوة أبيه بالأسهل فالأسهل، فأخبره بعلمه، وأن ذلك موجب لاتّباعك إياي، وأنّك إن أطعتني؛ اهتديت إلى صراط مستقيم، ثم نهاه عن عباد الشيطان، وأخبره بما فيها من المضارّ، ثم حذره عقاب الله ونقمته إن أقام على حاله، وأنّه يكون ولياً للشيطان. (إبراهيم خليل الله، د. علي الصلابي،217)

وقال الشنقيطي: معنى عبادته للشيطان في قوله: {لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} طاعته للشيطان في الكفر والمعاصي، فلذلك الشرك شرك طاعة كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} ]يس:60-61[، والآية تدلُّ على أن الكفار المعذبين يوم القيامة أولياء الشيطان؛ لقوله تعالى: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}، والآيات الدالّة على أن الكفار أولياء الشيطان كثيرة، كقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} ]النساء:76[، وقوله: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} ]آل عمران:175[، وقوله تعالى: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ]الأعراف:30[، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.

وكل من كان الشيطان يزيّن له الكفر والمعاصي فيتبعه في ذلك في الدنيا، فلا ولي له في الآخرة إلا الشيطان، كما قال تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}]النحل:63[، ومن كان لا ولي له يوم القيامة إلا الشيطان تحقق أنه لا ولي له ينفعه يوم القيامة. ولكن هذه اللطيفة بأحب الألفاظ وأرقّها لا تصل إلى القلب المشرك الجاسي، فإذا آزر أبو إبراهيم يقابله بالاستنكار والتهديد والوعيد. (أضواء البيان، محمد الأمين الشنقيطي، (4/208)

 

فالمراجع:​

• إبراهيم خليل الله (عليه السلام) داعية التوحيد والأسو الحسنة، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 1444هـ - 2022م.

• تأملات في سورة مريم، عادل أحمد صابر الرويني، دار النوادر، دمشق، سوريا، 2011م

• في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق للطباعة، القاهرة، ط 32، 2003 م.

• القصص القرآني بين الآباء والأبناء، عماد زهير حافظ، دار القلم، دمشق، ط1، 1990م، 1410هـ.

• تفسير التحرير والتنوير "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

• تفسير الزمخشري "الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل"، الرمخشـري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1407هـ.

• أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1415هـ، 1995م.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022