من أسباب هلاك قوم هود عليه السلام .. الترف والبطر
بقلم: د. علي محمد الصلابي
إن من أسباب العقاب الإلهيّ الترف، والترف هو أن يسترخي الإنسان في إرادته، وعزيمته، وصبره فيكون كلّ شيء فيه مسترخياً، فإرادته مسترخية، وعزيمته لا قوّة فيها، ونفسه غير منضبطة، والشهوات حاكمة، والأهواء جامحة (1).
والمترفون في كلّ أمّة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم، فينعمون بالراحة وبالسيادة حتّى تترهّل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدّسات والكرامات، وتلغُ في الأعراض والمحرّمات، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فساداً ونشروا الفاحشة في الأمّة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلّا بها ولها، ومن ثمّ تتحلّل الأمّة وتسترخي وتفقد حيويّتها وعناصر قوّتها وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها (2).
وتُشير الآيات القرآنيّة الواردة في شأن المترفين أنّهم أوّل من يقف في وجوه الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ويسارع إلى تكذيبهم، نقرأ ذلك في قول الله تباركت أسماؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: 34].
ولا عجب أن يكون المترَفون أوّل المعترضين، فإنّ انغماسهم في الشهوات يحملهم على رفض الحقّ؛ وفي دعوة الأنبياء ما يهدّد مصالحهم ويجرّدهم من امتيازاتهم التي اكتسبوها ظلماً وعدواناً (3).
وإن هؤلاء قوم عاد قالوا لهود (عليه السلام) كما أخبر سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ٣١ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ٣٣ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ٣٤﴾ [المؤمنون: 31-34].
فقد جمع الملأ من قوم عاد الشرّ كلّه، الكفر، وكفى به إثماً، وإنكار اليوم الآخر، والترف، وتكذيب نبيّهم (4). وقال الطبريّ (رحمه الله) في تفسيره: "﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: نعّمناهم في حياتهم الدنيا بما وسّعنا عليهم من المعاش، وبسطنا لهم من رزق حتّى بطروا وعتَوا على ربّهم وكفروا" (5).
فمن أسباب العقاب الإلهيّ الترف، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ١١٦ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ١١٧﴾ [هود: 116-117]. (6)
فالظالمون وهم الأكثرون اتّبعوا نعيم الدنيا ولذّاتها إيثاراً لها على عمل الآخرة وما يُنجيهم من عذاب الله، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].
فإذا أراد الله (عزّ وجلّ) إهلاك أمّة فإنّه يأمر هؤلاء الذين أترفوا بالطاعة فيفسقون فيها، ويبقون على ترفهم، ويبقون على معاصيهم، ومخالفتهم لأمره سبحانه، فيحقُّ عليهم وعيد الله الذي أوعد من كفر به وخالف رسله من الهلاك والدمار، فيخرِّبها سبحانه تخريباً، ويهلك من كان فيها إهلاكاً، وإنّ المترفين هم أولوا النِّعمة والحشمة والثروة والرياسة (7).
وقد أخبرنا الله (عزّ وجلّ) عن كثرة القرى الظالمة التي كان أهلها مُترفين، فاستحقَّت عقاب الله (عزّ وجلّ)، قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ١١ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ١٢ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ١٣ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ١٤ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ١٥﴾ [الأنبياء: 11-15].
من الجرائم التي تُعاقَب عليها الأمم: البطر، والبطر: هو الطغيان، والإشراك، وكفر النِّعم، قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 58].
وقوم عاد ظهر فيهم الاعتداء على الناس، فقد كانوا قزماً أعطاهم الله قوّة ومنَعة، قال تعالى في ذكر ما أنعمه عليهم على لسان نبيه هود (عليه السلام): ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: 69]، وإن البسطة: هي الكمال في الطول والعرض، أيّ: زادكم في أجسامكم طولاً وعظماً على أجسام قوم نوح، وفي قوّتكم على قوّتهم نعمة منه بذلك عليهم، ولكنّ هؤلاء استخدموا هذه القوّة في الطغيان على الناس والتعدّي عليهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: 130]، وهذا وصف لهم بالقوّة والغِلظة والجبروت (9).
والآية تحكي دأب هؤلاء وهو البطش بالناس قتلاً بالسيف، أو ضرباً بالسوط، تعدّياً، وتجبُّراً، وطغياناً، وبطراً، وتفاخراً، وقد اعتادوا البطر وكفران النعم، ولم يستخدموا نعم الله في طاعته بل في معصيته.
إنّ النعمة وسيلة لأداء رسالة الإنسان في الأرض، فيجب أن تكون سُلِّماً للخير، فمن شكر الله تعالى عليها زاده منها، ومن لم يفعل ذلك؛ بل جعلها وسيلة للشرّ والبطر بها، فإنّ العذاب سينزل به (10). فالأمم إنّما يهلكها بطرها، واستكبارها، وغفلتها عن الحقّ، واستغراقها في شهواتها الدنيويّة دون تدبّر وتروٍّ (11)، وهذا من أسباب هلاكها.
المصادر والمراجع:
1. زهرة التفاسير، أبو زهرة، (8/4352)، معلمة السنن الإلهية في القرآن، مجموعة من الباحثين، ص14.
2. في ظلال القرآن، سيد قطب، (4/2217).
3. معلمة السنن الإلهية في القرآن، مجموعة من الباحثين، ص26.
4. معلمة السنن الإلهية في القرآن، المصدر السابق ص27.
5. تفسير الطبري، (17/39-40).
6. التفسير الإسلامي للتاريخ، عماد الدين خليل، ص273.
7. أسباب هلاك الأمم السابقة، محمد سعيد سيلا، ص366.
8. أسباب هلاك الأمم السالفة، محمد سعيد سيلا، ص 180.
9. تفسير ابن كثير، (3/354).
10. سنن الطبيعة والمجتمع في القرآن الكريم، بكّار محمود، ص302.
11. سنن الطبيعة والمجتمع في القرآن الكريم، المصدر السابق، ص303.
12. هود عليه السلام وأسباب زوال حضارة قوم عاد، علي محمد الصلابي، دار ابن كثير.