تعزية للأمة الإسلامية والشعب السوداني في رحيل المفكر والأكاديمي البروفيسور التجاني عبد القادر حامد رحمه الله
قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقينا نبأ وفاة المفكر والأكاديمي السوداني البروفيسور التجاني عبد القادر حامد رحمه الله، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى في الدوحة، بعد مسيرة علمية وفكرية امتدت عقوداً في البحث والتعليم والتأليف، وخدمة قضايا الفكر الإسلامي والعلوم السياسية والإصلاح والاجتماع السياسي، والاشتغال بقضايا السودان والأمة وتحولاتها الكبرى.
وبرحيله يفقد السودان والعالم العربي والإسلامي مفكراً وأستاذاً جامعياً عرف بسعة اهتماماته، وهدوء معالجته، وحرصه على وصل الفكر بواقع الناس، والنص القرآني بأسئلة الاجتماع والسياسة، والدراسة الأكاديمية بقضايا الإصلاح والنهوض.
كان البروفيسور التجاني من أصحاب المشاريع الفكرية التي لا تقف عند حدود التخصص الضيق؛ فقد جمع في تكوينه وكتاباته بين الفلسفة والعلوم السياسية والفكر الإسلامي والدراسات القرآنية والاجتماع السياسي، وظلت أسئلة الدولة والمجتمع والإصلاح والسلطة والعدل والفقر والتحولات السياسية حاضرة في جانب كبير من إنتاجه العلمي. واستفدت من علمه وفكره وكان من الشخصيات التي أثرت بي في مسيرتي الأكاديمية في السودان ...
نشأته ورحلته في طلب العلم
ولد البروفيسور التجاني عبد القادر حامد عام 1951م في منطقة أم دم بشمال كردفان في السودان، ونشأ في بيئة سودانية أصيلة، ثم التحق بجامعة الخرطوم ودرس في كلية الآداب، قسم الفلسفة، وتخرج فيها بمرتبة الشرف.
وواصل دراساته العليا في جامعة الخرطوم، فنال درجة الماجستير في فلسفة السياسة عام 1984م، وكانت دراسته في تلك المرحلة مرتبطة بموضوع أصول الفكر السياسي في القرآن المكي، وهو المجال الذي ظل يشغل جانباً مهماً من مشروعه الفكري بعد ذلك.
ثم انتقل إلى بريطانيا، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لندن عام 1989م، فاجتمع له تكوين فلسفي وسياسي مع عناية عميقة بالقرآن الكريم والفكر الإسلامي، وانعكس ذلك على أبحاثه وكتبه التي حاول فيها أن يعيد قراءة قضايا السياسة والمجتمع والإصلاح من منظور يستفيد من الوحي والتراث والخبرة الإنسانية المعاصرة.
مسيرة أكاديمية امتدت بين عدد من البلدان
عمل البروفيسور التجاني في التدريس والبحث الجامعي في أكثر من بلد، فكانت له تجربة أكاديمية في السودان وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة وقطر، وعمل في مراحل من حياته أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة الخرطوم.
وكانت دولة قطر من المحطات المهمة في مسيرته العلمية المتأخرة؛ إذ عمل أستاذاً للفكر السياسي والدراسات الإسلامية في جامعة قطر، وارتبط بمركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، وتولى رئاسة قسم العلوم الاجتماعية فيه، وأسهم في نشاطه العلمي والبحثي وفي عدد من مشروعاته ومؤتمراته ودراساته.
كما تولى رئاسة تحرير مجلة «تجسير» العلمية المحكمة التي يصدرها مركز ابن خلدون ودار نشر جامعة قطر، وكان حاضراً في مشروعها القائم على تشجيع الدراسات البينية، ومد الجسور بين العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومحاولة تجاوز العزلة بين التخصصات، وهي فكرة تنسجم مع طبيعة تكوينه العلمي ومساره الفكري الذي لم يكن أسير حقل معرفي واحد.
القرآن والفكر السياسي في مشروعه العلمي
حظي القرآن الكريم بمكانة أساسية في المشروع الفكري للبروفيسور التجاني، فلم يتعامل معه باعتباره مجالاً للوعظ المجرد، وإنما حاول استكشاف ما يتضمنه من أصول ومفاهيم كبرى تتصل بالإنسان والمجتمع والسلطة والإصلاح والعمران.
ومن أشهر أعماله في هذا الباب كتاب «أصول الفكر السياسي في القرآن المكي»، وهو من الأعمال التي أبرزت عنايته باستخراج الأصول السياسية والاجتماعية من السور المكية، والبحث في القيم والمفاهيم التي أسستها المرحلة المكية قبل قيام الدولة في المدينة.
وقد وجد الكتاب اهتماماً خارج المجال العربي، وترجم إلى لغات أخرى، وكان امتداداً لبحث مبكر بدأه في دراساته العليا، ثم واصل تطوير أسئلته في عدد من البحوث والمقالات اللاحقة.
كما كتب بحثه المعروف «الإصلاح في القرآن: استكشاف المفهوم وبناء النظرية»، وناقش فيه مفهوم الإصلاح ودلالاته القرآنية، وسعى إلى الانتقال به من مجرد استعمال وعظي عام إلى مفهوم يمكن أن يسهم في بناء رؤية متكاملة لحركة المجتمع وتجديده.
ومن دراساته أيضاً «إشكالية القرآن المكي في دراسات المستشرقين»، التي ناقش فيها جملة من التصورات الاستشراقية المتعلقة بالقرآن المكي، مستنداً إلى قراءة النص القرآني وبنيته ومقاصده.
وهذه العناية بالقرآن الكريم ظلت حاضرة في مشروعه إلى جانب اهتمامه بالاجتماع والسياسة، حتى أصبحت إحدى السمات المميزة لكتاباته.
مؤلفاته وإنتاجه الفكري
ترك البروفيسور التجاني عبد القادر رصيداً مهماً من الكتب والبحوث والمقالات والدراسات العلمية، تنوعت موضوعاتها بين الفكر السياسي والدراسات القرآنية وقضايا الإصلاح والمجتمع والدولة والتجربة السياسية السودانية.
ومن أبرز أعماله:
1. مشكلة الفقر: مقدمات في أصول الاقتصاد السياسي في الإسلام.
2. أصول الفكر السياسي في القرآن المكي.
3. نزاع الإسلاميين في السودان: مقالات في النقد والإصلاح.
4. الإصلاح في القرآن: استكشاف المفهوم وبناء النظرية.
5. دارفور وأزمة الدولة السودانية.
6. مقدمة في فلسفة السياسة.
7. إشكالية القرآن المكي في دراسات المستشرقين.
8. المفهوم القرآني والتنظيم المدني: دراسة في أصول النظام الاجتماعي الإسلامي.
9. الثورة السودانية وآفاق الانتقال الديمقراطي.
10. عدد من الدراسات في العلوم الاجتماعية والمنهج والتجسير المعرفي وقضايا المجتمع والأسرة والدولة.
وفي كتابه «مقدمة في فلسفة السياسة» اتجه إلى تقديم قراءة في بعض القضايا المركزية التي شغلت الفلسفة السياسية قديماً وحديثاً، مع حضور واضح للتراث الإسلامي والرؤية القرآنية، وهو ما يكشف عن إحدى خصائص تجربته العلمية: القدرة على التحرك بين التراث الفلسفي والسياسي وبين الأسئلة الإسلامية المعاصرة دون أن يفصل أحدهما عن الآخر.
كما شارك في الكتاب الجماعي «دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان» بدراسة بعنوان «دارفور وأزمة الدولة السودانية»، تناول فيها أزمة دارفور من منظور أوسع يتصل بطبيعة بناء الدولة السودانية وعلاقتها بالمجتمع والأقاليم، فلم يتعامل مع الأزمة باعتبارها حادثاً معزولاً، وإنما ربطها بمشكلات بنيوية في تكوين الدولة وإدارة علاقتها بالمجتمع.
حضور السودان في فكره وكتاباته
ظل السودان حاضراً بقوة في فكر البروفيسور التجاني، مهما ابتعدت به مسيرته الأكاديمية عن بلده، فكتب عن التجربة السياسية السودانية، والحركة الإسلامية، والدولة والمجتمع، ودارفور، والثورة، والانتقال الديمقراطي، والاستقطاب السياسي، والحرب ومآلاتها.
وكان من اللافت أنه ظل حتى أيامه الأخيرة مشغولاً بأحوال السودان، يتابعها ويقرأ تحولات مجتمعها ودولتها، وتشير شهادات المقربين منه إلى أنه كان يعمل قبيل وفاته على كتاب بعنوان «قراءات في السياسة السودانية المعاصرة: السقوط والثورة والحرب»، وهو عنوان يلخص جانباً من انشغاله العميق بتاريخ بلاده الحديث ومحاولته فهم أزماتها وتحولاتها.
لقد عاش الرجل مراحل سياسية سودانية شديدة التعقيد، ورأى صعود مشاريع وسقوط أخرى، وتبدل التحالفات والصراعات، ومع ذلك ظل البحث والمراجعة والنقد والكتابة من أدواته الأساسية في التعامل مع تلك التجارب.
علم يبقى بعد رحيل صاحبه
إن قيمة العالم والمفكر لا تقاس بعدد المناصب التي شغلها، وإنما بما يتركه من معرفة نافعة، وبما يثيره من أسئلة في عقول طلابه وقرائه، وبما يفتح من أبواب للبحث بعد رحيله.
وقد ترك البروفيسور التجاني عبد القادر تجربة امتدت أكثر من أربعة عقود، تنقل فيها بين التعليم والبحث والتأليف، وبين الجامعات ومراكز الدراسات والمجلات العلمية، وظل باحثاً عن الصلة بين القرآن والواقع، وبين الفكر والسياسة، وبين المعرفة ومشكلات المجتمع.
كان معنياً بالإصلاح لا بوصفه شعاراً عابراً، وإنما باعتباره سؤالاً معرفياً واجتماعياً وسياسياً يحتاج إلى فهم الإنسان والدولة والمجتمع والتاريخ، وكان معنياً بالفكر السياسي الإسلامي بعيداً عن اختزاله في الصراع على السلطة، محاولاً العودة إلى جذوره الأخلاقية والقرآنية وما يرتبط بها من مفاهيم العدل والمسؤولية والعمران.
وهذا اللون من الاشتغال الفكري أحوج ما تكون إليه أمتنا، لأن المجتمعات لا تنهض بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى علم راسخ، وفكر متزن، ونقد مسؤول، وقدرة على مراجعة التجارب واستخلاص دروسها.
قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
فنرجو الله تعالى أن يجعل ما قدمه البروفيسور التجاني عبد القادر حامد من علم وتعليم وتأليف وبحث، وما تركه في طلابه وقرائه من أثر، من العلم النافع الذي لا ينقطع أجره، وأن يجعل كلماته وأبحاثه وكتبه في ميزان حسناته.
ونتقدم بخالص العزاء إلى أسرته الكريمة وأهله وطلابه وزملائه ومحبيه، وإلى الشعب السوداني الشقيق، وإلى أهل العلم والفكر في العالم العربي والإسلامي، وكل من عرف الراحل أو قرأ له أو انتفع بعلمه.
نسأل الله تعالى أن يجبر مصاب أسرته ومحبيه، وأن يربط على قلوبهم، وأن يلهمهم الصبر والسلوان.
اللهم اغفر لعبدك التجاني عبد القادر حامد وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وآنس وحشته، وثبته عند السؤال، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين.
اللهم بارك في علمه النافع، واحفظ ما ترك من آثار علمية وفكرية، واجعلها شاهدة له لا عليه، وقيض لهذه الأمة علماء ومفكرين مخلصين يحملون رسالة العلم والإصلاح، وينفعون الناس، ويجمعون بين رسوخ المعرفة وصدق المقصد وحسن العمل.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
د. علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
8 ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 19 سبتمبر 2026م