الإثنين

1448-02-13

|

2026-7-27

تعزية للشعب اليمني وللأمة الإسلامية في وفاة المناضل والسياسي الأستاذ محمد قحطان (رحمه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[آل عمران: 185]

بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، راضيةٍ بحكمه، تلقّينا نبأ وفاة المناضل والسياسي اليمني الأستاذ محمد قحطان، أحد أبرز قيادات التجمع اليمني للإصلاح، وذلك بعد أكثر من أحد عشر عاماً من الاعتقال والإخفاء القسري في سجون جماعة الحوثي الظالمة، بحسب ما أعلنته أسرته والجهات السياسية اليمنية، وذلك يوم الجمعة 25 محرم 1448هـ الموافق 10 يوليو/تموز 2026م.

وإننا إذ نتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى الشعب اليمني الشقيق، وإلى إخوانه ورفاقه ومحبيه، فإننا نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما أصابه في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شهادة شخصية

عرفتُ الأستاذ محمد قحطان عن قرب، وجمعتني به لقاءات وحوارات متعددة أثناء إقامتي في اليمن، والتقيت به ثلاث مرات، فوجدت فيه رجلاً واسع الثقافة، عميق الفكر، راجح العقل، حاضر الحجة، يمتلك قدرةً متميزةً على الحوار، ويؤمن بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء جسور التفاهم بين أبنائها.

كان يقرأ كثيراً، ويطالع باستمرار، ويملك ثقافة موسوعية تجمع بين الفكر الإسلامي، والسياسة، والاقتصاد، والفلسفة، والأدب، والعلاقات الدولية، وكان يستشهد بالشعر في أحاديثه، ويُحسن إدارة النقاش دون تعصب أو انفعال، ويحرص على البحث عن المشتركات الوطنية قبل نقاط الخلاف.

رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً، وأعلى ذكره في المصلحين، وجزاه عن اليمن وأهله خير الجزاء.

أولاً: المولد والنشأة

وُلد محمد قحطان في مديرية العدين بمحافظة إب عام 1958م، في مرحلة شهدت اليمن خلالها تحولاتٍ سياسيةً واجتماعيةً عميقة. نشأ في بيئةٍ محافظةٍ تؤمن بقيم الحرية والكرامة والعدالة، وكان لذلك أثرٌ واضحٌ في تكوين شخصيته الفكرية والسياسية منذ سنواته الأولى.

وتزوج ورُزق بخمس بناتٍ وأربعة أبناء، وظل مرتبطاً بأسرته ومجتمعه، محافظاً على بساطته وقربه من الناس، رغم ما تقلده من مواقع سياسية بارزة.

ثانياً: التكوين الأكاديمي والفكري

تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدينة تعز، ثم درس الشريعة والقانون في جامعة صنعاء، وهو ما منحه قدرةً على الجمع بين المرجعية الإسلامية والمعرفة القانونية والسياسية.

وكان يقضي معظم أوقاته في مكتبته الخاصة، حيث تزخر رفوفها بكتب السياسة، والفكر، والاقتصاد، والفلسفة، والمنطق، والأدب، والدراسات الإسلامية، والعلاقات الدولية، إضافةً إلى اهتمامه بالشعر العربي، الأمر الذي أكسبه شخصيةً فكريةً متوازنةً وحضوراً مميزاً في الحياة السياسية اليمنية.

ثالثاً: المسيرة السياسية والحزبية

التحق مبكراً بالعمل السياسي، وكان من أبرز القيادات المؤسسة لحزب التجمع اليمني للإصلاح بعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990م.

تولى رئاسة الدائرة التنظيمية للحزب، ثم رئاسة الدائرة السياسية، قبل أن يصبح عضواً في الهيئة العليا، وأسهم في تطوير الأداء المؤسسي للحزب، وطرح رؤى إصلاحية وتجديدية داخل مؤسساته، الأمر الذي جعله محل احترام كثيرٍ من خصومه قبل مؤيديه.

رابعاً: اللقاء المشترك… المشروع الوطني الجامع

يُعد محمد قحطان أحد أبرز مهندسي اللقاء المشترك الذي مثّل تجربةً سياسيةً غير مسبوقة في اليمن، حيث نجح مع الشهيد جار الله عمر في بناء جسرٍ للتفاهم بين الإسلاميين والاشتراكيين والقوميين وسائر القوى الوطنية.

واختير ناطقاً رسمياً باسم اللقاء المشترك، واستطاع بخطابه الهادئ وحكمته السياسية أن يقدّم نموذجاً في إدارة الاختلاف، وأن يرسخ ثقافة الحوار والشراكة الوطنية.

خامساً: الشخصية السياسية

كان محمد قحطان مدرسةً في العمل السياسي الهادئ، يجمع بين الحكمة والجرأة، وبين الثبات والمرونة، وبين وضوح الموقف واحترام المخالف.

عرفه الجميع قارئاً نهماً، ومستمعاً جيداً، ومحاوراً راقياً، ودبلوماسياً بارعاً، وكان قادراً على بناء الثقة مع مختلف الأطراف السياسية والفكرية.

ولذلك حظي باحترام واسع داخل اليمن وخارجها، ولم يكن حضوره مرتبطاً بمنصبه، بل بقيمته الفكرية والإنسانية.

سادساً: ثورة اليمن 2011

برز الأستاذ محمد قحطان خلال ثورة فبراير 2011م بوصفه أحد أبرز الأصوات السياسية المطالبة بالإصلاح والتغيير السلمي، وكان من أوائل القيادات التي دعت إلى الانتقال نحو دولةٍ تقوم على المواطنة وسيادة القانون.

وقد مثّل خلال تلك المرحلة صوتاً للعقل والحوار، وسعى إلى حماية المسار السلمي للثورة، والدفع نحو انتقالٍ سياسي يجنب اليمن الانقسام والعنف.

سابعاً: الحوار الوطني

شارك ممثلاً لحزب الإصلاح في مؤتمر الحوار الوطني، كما شارك في الحوارات التي رعتها الأمم المتحدة بين القوى السياسية اليمنية.

وكان يؤمن بأن الحوار هو الطريق الوحيد لبناء الدولة، وأن التوافق الوطني مقدمٌ على المغالبة السياسية، ورغم الصعوبات الكبيرة التي واجهتها تلك الحوارات، ظل متمسكاً بخيار الحل السياسي.

ثامناً: الاعتقال والإخفاء القسري

بعد سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء، تعرض الأستاذ محمد قحطان للإقامة الجبرية، ثم اعتُقل من منزله في الرابع من أبريل/نيسان 2015، ومنذ ذلك اليوم انقطعت أخباره، وتعرض للإخفاء القسري سنواتٍ طويلة.

وطالبت الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومنظمات حقوق الإنسان، بالإفراج عنه، كما أدرج اسمه في ملفات تبادل الأسرى أكثر من مرة، غير أن جميع تلك الجهود لم تؤدِّ إلى إطلاق سراحه.

تاسعاً: الرحيل

ظل مصير الأستاذ محمد قحطان غامضاً سنواتٍ طويلة، إلى أن أُعلن عن وفاته بعد أكثر من أحد عشر عاماً من الاعتقال والإخفاء القسري، ليطوي برحيله صفحةً من صفحات المعاناة اليمنية التي ما زالت تنتظر العدالة والإنصاف.

لقد فقد اليمن برحيله أحد أبرز رجالاته الذين جمعوا بين الفكر والسياسة، وبين الحكمة والثبات، وبين الانتماء الحزبي والانفتاح الوطني، وسيظل اسمه حاضراً في ذاكرة اليمنيين بوصفه أحد رموز العمل السياسي السلمي.

ونسأل الله تعالى أن يفرج عن اليمن وأهله، وأن يرفع عنهم البلاء والفتن، وأن يخلصهم من كل ظلمٍ واستبدادٍ وبغي، وأن يبدل خوفهم أمناً، وفرقتهم اجتماعاً، وضعفهم قوةً، وأن يعيد إلى اليمن عزته ووحدته واستقراره.

اللهم عليك بكل من ظلم أهل اليمن، وسفك دماء الأبرياء، واعتدى على الحقوق والحرمات، ونشر الخوف بين الآمنين، وأدخل السجون ظلماً آلاف المظلومين، وشرّد الأسر، ويتم الأطفال، ورمّل النساء، وأفسد في الأرض بغير حق.

اللهم اكشف الغمة عن اليمن، وأزل عنه هذا الحكم الحوثي الظالم، وأبطل كل مشروعٍ يقوم على الظلم والعدوان، وأرنا في الظالمين عجائب قدرتك، واجعل كيدهم في نحورهم، ورد مكرهم عليهم، وخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر.

اللهم انصر المظلومين، وفك أسر المعتقلين والمخفيين قسراً، واشفِ الجرحى، وارحم الشهداء، واجبر كسر الأرامل والأيتام، ورد المهجرين والنازحين إلى ديارهم سالمين آمنين، وأصلح أحوال اليمن وأهله، واجمع كلمتهم على الحق والعدل والرحمة، وارزقهم قيادةً صالحةً تقيم العدل، وتحفظ الدين، وتصون الدماء والأعراض والأموال، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

كتبه:

د. علي محمد الصلابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

26 محرم 1448هـ

الموافق 11 يوليو/تموز 2026م


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022