الإثنين

1448-03-18

|

2026-8-31

في رحاب حي الحلبوني في دمشق... زيارتي لمسجد الحلبوني التاريخي ودار ابن كثير العريقة

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

كان من المحطات العزيزة على قلبي في جولتي اليوم بمدينة دمشق زيارتي لحي الحلبوني، ذلك الحي الذي اقترن في ذاكرة الدمشقيين وأهل العلم بالمساجد ومجالس العلم والكتاب والمكتبات ودور النشر، حتى غدا مقصداً للعلماء والباحثين وطلاب المعرفة، ونافذةً من نوافذ دمشق الدينية والثقافية التي حافظت على صلتها بالعلم والقراءة، رغم ما عانته سورية خلال السنوات الماضية من حصار وتضييق وقبضة أمنية قاسية، وما شهدته من حرب طاحنة وتهجير مروع وفقد كبير.

وكانت بداية الزيارة من مسجد الحلبوني، حيث أكرمني الله بالصلاة فيه وإلقاء درس في رحابه، وهو مسجد دمشقي عريق يعود بناؤه إلى النصف الأول من القرن العشرين، وقد شيده المحسن حسن أفندي الحلبوني، وتشير الكتابة الحجرية المثبتة فوق بابه إلى سنة 1346هـ/1927م، فيما يحمل محرابه نقشاً مؤرخاً بسنة 1352هـ/1933م. وقد بني المسجد بطراز معماري متأثر بالفن العثماني، وزين محرابه ونوافذه بالحجارة والرخام والزجاج المعشق، في صورة تعبر عن الذوق الدمشقي الأصيل في عمارة المساجد والعناية بجمال بيوت الله.

وقد أدى مسجد الحلبوني، منذ تأسيسه، رسالته في إقامة الصلاة وتعليم القرآن الكريم واحتضان دروس العلماء والوعاظ، وظل شاهداً على الوظيفة الجامعة للمسجد في حياة المسلمين؛ فهو موضع للعبادة والتزكية، ومنبر للعلم والتوجيه، ومجال للتعارف وجمع القلوب على طاعة الله وخدمة الناس، ومن رحابه يتعلم المسلم صلته بربه، ومسؤوليته تجاه مجتمعه، وواجبه في عمارة الأرض، وإقامة العدل، ونشر الرحمة والمعرفة، وصيانة الأمة من الجهل والفرقة والانحراف.

ومن الذكريات العلمية التي تزيد هذا المسجد مكانةً في النفس أن العلامة والمفكر الإسلامي الكبير الشيخ أبا الحسن علي الحسني الندوي، رحمه الله، زاره في رحلاته إلى دمشق أكثر من مرة، وألقى فيه دروساً وخطباً، حاملاً معه رسالته الإيمانية والحضارية التي دعا من خلالها الأمة إلى استعادة صلتها بالقرآن الكريم والسيرة النبوية، وإلى بناء الإنسان المسلم القادر على الجمع بين الإيمان والعلم والعمل، وبين الاعتزاز بعقيدته والشعور بمسؤوليته تجاه أمته والإنسانية.

وكان الشيخ أبو الحسن الندوي يدرك منزلة دمشق في تاريخ الإسلام، ويرى في بلاد الشام أرضاً للعلم والرباط والنهضة، وقد جمع في خطابه بين حرارة الإيمان وعمق المعرفة بالتاريخ وأحوال الشعوب، فدعا إلى تجديد روح الأمة من داخلها، وتربية أجيال تحمل العقيدة بوعي، وتفهم عصرها، وتخاطب الناس بالحكمة والرحمة، وتحمي استقلالها الفكري والأخلاقي من الذوبان والتبعية؛ لأن الأمة التي تفقد ثقتها برسالتها لا تستطيع أن تقدم للعالم علماً نافعاً أو نموذجاً أخلاقياً راشداً.

وللمسجد في تاريخ الحضارة الإسلامية منزلة تتجاوز حدود البناء ووظيفة أداء الشعائر، فمن المسجد النبوي بدأت حركة التعليم والتربية وبناء المجتمع والدولة، وفي رحابه تربى جيل الصحابة رضي الله عنهم على الإيمان والعلم والشورى وتحمل المسؤولية، ثم انتقلت هذه الرسالة إلى مساجد الأمصار، فكانت المساجد مدارس للفقه والحديث والتفسير واللغة والتاريخ، ومنها تخرج العلماء والقضاة والمصلحون، وفيها التقت العبادة بالمعرفة، وتكامل تهذيب الروح مع بناء العقل وإصلاح المجتمع.

وقد استعدت في مسجد الحلبوني هذه المعاني، وشعرت بأن بقاء المساجد عامرةً بالصلاة والقرآن ودروس العلم، بعد ما مرت به سورية من سنوات قاسية، يحمل بشارةً وأملاً، فإعادة بناء الوطن تبدأ من إعادة بناء الإنسان، والإنسان الذي يعرف ربه، ويفهم دينه، ويحسن قراءة تاريخه وواقعه، أقدر على حمل الأمانة، ومقاومة الفساد، والمشاركة في إقامة مجتمع تسوده الرحمة والعدل والتعاون.

ثم انتقلت في الحي نفسه إلى زيارة دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، التي تربطني بها صلة علمية وثقافية امتدت لأكثر من عقدين؛ فقد تولت الدار طباعة معظم كتبي ونشرها وتوزيعها في العالم العربي والإسلامي، ورافق القائمون عليها مراحل متعددة من مشروعي في الكتابة التاريخية والفكرية، من كتب السيرة النبوية والخلفاء الراشدين والدولة الأموية والدولة العثمانية، وصولاً إلى الدراسات القرآنية والتاريخية، وقصص الأنبياء والمرسلين عليهم السلام (القصص القرآني)، والمؤلفات التي تناولت فقه النهوض وسنن الله في بناء الأمم والحضارات.

وكان لدار ابن كثير، ولسائر دور النشر والمطابع والمكتبات في العالم العربي والإسلامي التي اعتنت بكتبي وطباعتها ونشرها وتوزيعها، فضل كبير بعد الله سبحانه وتعالى في إيصال هذه المؤلفات إلى القراء وطلاب العلم والباحثين، وتحويل الجهد العلمي المكتوب إلى كتب حاضرة في المكتبات والجامعات ومعارض الكتاب، تنتقل بين الأقطار، وتسهم في بناء الوعي التاريخي، وتصل الأجيال المعاصرة بتراث الأمة وتجاربها الحضارية، وتفتح أمامها أبواباً لفهم السنن التي تحكم قيام الدول والحضارات، وأسباب قوتها وضعفها، وسبل استعادة فاعليتها في التاريخ. وإنني أذكر هذه الجهود جميعاً بالشكر والتقدير، وأدعو الله أن يجزي القائمين عليها من ناشرين ومحققين ومراجعين وطابعين وموزعين وأصحاب مكتبات خير الجزاء، وأن يبارك في أعمالهم؛ فقد شاركوا بأمانة الكلمة وحسن العناية بالكتاب في خدمة هذا المشروع العلمي، وإيصال رسالته إلى قراء العربية في أنحاء العالم.

ولقد تأسست دار ابن كثير في دمشق سنة 1983م، وجعلت خدمة التراث الإسلامي وتحقيق كتبه ونشر المعرفة الموثوقة محوراً لعملها، وبدأت مسيرتها بطباعة المصحف الشريف بروايتي حفص عن عاصم وورش عن نافع، ثم توسعت في نشر علوم القرآن الكريم والحديث النبوي والفقه والتاريخ واللغة والأدب والفكر الإسلامي المعاصر، واستطاعت، على مدى أكثر من أربعة عقود، أن تبني لنفسها مكانةً معتبرةً بين دور النشر العربية، وأن تكسب ثقة العلماء والباحثين والقراء بما أولته للمادة العلمية من عناية، وللتحقيق من دقة، ولإخراج الكتاب من جودة وإتقان.

ومن الأعمال العلمية الكبيرة التي ارتبط اسم الدار بها إصدار كتاب «البداية والنهاية» للإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي في واحد وعشرين مجلداً، بإشراف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط والدكتور بشار عواد معروف، وبمشاركة عدد من المحققين، وهو عمل يعبر عن طبيعة المشروع الذي حملته الدار، وعن وفائها للعالم الدمشقي الكبير الذي اختارت اسمه عنواناً لها، وعن إدراكها أن حفظ التراث يحتاج إلى العناية بالنصوص، ومقابلة النسخ، ومراجعة المخطوطات، وضبط الأعلام والأماكن والروايات، وتقديم الكتاب إلى القارئ في صورة علمية أمينة.

وما تزال دار ابن كثير تواصل رسالتها من خلال لجان علمية متخصصة تراجع المؤلفات والتحقيقات قبل نشرها، وتحرص على الاعتدال الفكري وسلامة المادة التاريخية والدينية، كما امتد حضورها إلى بيروت وإسطنبول، وشاركت في معارض الكتاب العربية والدولية، فغدت جسراً يصل الكتاب السوري بالقارئ في المشرق والمغرب، ووجهاً من وجوه الحضور الثقافي لدمشق خارج حدود سورية.

ومن الواجب الذي أحرص على تسجيله أن أشير إلى دور الأخ والأستاذ الفاضل علي ديب مستو، مدير دار ابن كثير وصاحبها، فقد عرفته صاحب أمانة عالية ومصداقية كبيرة، وذو خلق حسن، ومعاملة صادقة. وقد امتدت علاقتي به سنوات طويلة قامت على الثقة والاحترام والتقدير المتبادل، ولم يقع بيني وبينه، بحمد الله وفضله، أي خلاف مالي، وإنما وجدته سمحاً في مسائل الحقوق، وواضحاً في معاملاته، وحريصاً على حفظ حق المؤلف وخدمة الكتاب، وقد تحمّل في مراحل متعددة نفقات الطباعة من حسابه الخاص إيماناً منه برسالة العلم وحرصاً على وصول المؤلفات إلى القراء وطلاب المعرفة، ولذلك أجد من واجبي أن أشكره على ما عرفت فيه من وفاء ومروءة وأمانة، ومعه أولاده حفظهم الله. وأن أسأل الله أن يجزيهم خيراً، ويبارك في أعمارهم وأعمالهم ويتقبلها، ويجعل ما قدّمه في خدمة العلم والكتاب في ميزان حسناتهم، وحسناتنا جميعاً.

.. خلال هذه الزيارة استعدت ذكريات طويلة من العمل والتعاون والمراجعة والطباعة، ووجدت في استمرار دار ابن كثير، بعد السنوات الشديدة التي مرت بها سورية، دليلاً على رسوخ تقاليد العلم والنشر في هذا البلد المبارك، وعلى قدرة أهله على حفظ مؤسسات المعرفة وإعادة تنشيطها؛ لأن بناء الأوطان يحتاج إلى المدارس والجامعات ومراكز البحث ودور النشر والمكتبات، كما يحتاج إلى الاقتصاد والعمران، فالأبنية تستقيم بالهندسة، أما الدول والحضارات فتستقيم بالعلم والوعي والقيم.

وقد خرجت من هذه الزيارة وأنا أحمد الله على ما رأيت من بقاء جذوة العلم والإيمان حيةً في دمشق، وأدعو الله أن يعين مساجدها على استعادة دورها في التعليم والتربية والإصلاح، وأن يبارك في دور النشر السورية ويعينها على استعادة حضورها العربي والعالمي، وأن يحفظ العلماء والباحثين والمحققين والناشرين وأصحاب المكتبات، وأن تعود أحياء دمشق العلمية مقصداً للقراء وطلاب المعرفة، وأن تمتلئ مساجدها بحلقات القرآن والفقه والسيرة والتاريخ، وأن يكون المسجد والكتاب والمدرسة والجامعة شركاء في بناء سورية الجديدة.

اللهم احفظ دمشق وسوريا وسائر بلاد المسلمين، وبارك في علمائها وأهلها وشبابها، واجعل مساجدها منارات هدى، ومكتباتها خزائن علم، ودور نشرها جسوراً للمعرفة، وأعن أبناء سورية على بناء وطنهم بالإيمان والعلم والأخلاق والعمل، واجعل ما يكتب وينشر ويعلم حجةً للحق، وخدمةً للإنسان، وإسهاماً في نهضة الأمة ووحدتها ورشدها.

من المراجع المستفاد منها:

1. الشهابي، قتيبة. مآذن دمشق: تاريخ وطراز. دمشق: وزارة الثقافة، 1993م.

2. العلبي، أكرم حسن. خطط دمشق. دمشق: دار الطباع، 1989م.

3. علي محمد الصلابي، "زيارتي إلى حي الحلبوني بدمشق ودار ابن كثير"، 31 أغسطس/آب 2026م.

4. مديرية أوقاف دمشق، "جامع الحلبوني".

5. الموقع الرسمي لدار ابن كثير، "مؤلفات الدكتور علي محمد الصلابي".

6. الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، "دار ابن كثير.. أربعة عقود في تحقيق التراث وصناعة الكتاب"، 11 يوليو/تموز 2026م.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022