السبت

1448-04-22

|

2026-10-3

كيف جمع عبد الله بن ياسين بين مهابة القائد وأمانة الداعية، وربّى جيلًا حمل مسؤولية الدعوة وبناء دولة المرابطين؟

في هذه الحلقة، يقف الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي عند هاتين الصفتين، وأثرهما في سيرته وثقة أتباعه به

من صفات عبد الله بن ياسين الزعيم الديني لدولة المرابطين (رحمه الله): المهابة والأمانة

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

تميزت شخصية الإمام عبدالله بن ياسين -رحمه الله- الزعيم الديني لدولة المرابطين بمجموعة من الصفات القيادية والمزايا الضرورية للرجل المؤمن الذي يقود جيل الدعوة والنصر والتمكين.

هو عبد الله بن ياسين بن مكوك بن سير بن علي الجزولي، أصله من قرية «تماماناوت» في طرف صحراء غانة. (عباس، ص 21). درس على فقيه السوس وجاج بن زلوا، ثم رحل إلى الأندلس في عهد ملوك الطوائف وأقام بها سبع سنين (ابن الخطيب، ص 191)، واجتهد في تحصيل العلوم الإسلامية، ثم أصبح من خيرة طلاب الفقيه وجاج بن زلوا، فعندما طلب أبو عمران الفاسي من تلميذه وجاج بن زلوا أن يرسل مع يحيى بن إبراهيم فقيهاً عالماً ديناً تقياً مربياً فاضلاً وقع الاختيار على عبد اللهِ بن ياسين الصنهاجي الذي كان عالماً بتقاليد قومه وأعرافهم وبيئتهم وأحوالهم.

ودخل عبد الله بن ياسين مع يحيى بن إبراهيم في مضارب ومواطن ومساكن الملثمين من قبلة جدالة في عام 430 هـ/1038 م؛ فاستقبله أهلها واستمعوا له وأخذ يعلمهم، فكان تعليمه باللغة العربية لطلبة العلم، والإرشاد الديني للعامة بلهجة أهل الصحراء البربرية.

لاقى عبد الله بن ياسين كثيراً من الصعوبات، فقد وجد أكثر الملثمين لا يصلُّون ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، وعم الجهل عليهم وانحرفوا عن معالم العقيدة الصحيحة، وتلوثت أخلاقهم وأحكام دينهم، واصطدمت تعاليمه بمصالح الأمراء والأشراف، فثاروا عليه، وكادوا أن يقتلوه، إلا أنه تركَ قبيلة جدالة، وانتقل إلى

قبيلة لمتونة، ومن ثم اختار رباطه المشهور على مصب نهر السنغال، بعد انتشار صيته، وتعلق الناس به، فهرعوا إليه ليربيهم وينظمهم ويعلمهم.

ومن خلال كتب التاريخ نستطيع أَنْ نقول: إِن عبد الله بن ياسين ـ رحمه الله ـ نجح في رسالته الدعوية لأسباب مهمة يجب أن يعرفها الدعاةُ إلى الله، ألا وهي ما وهبه الله من صفات فطرية وما اكتسبه من حياته من صفات عقلية وصفات حركية.

ومن أهم الصفات الفطرية التي ظهرت لي من سيرته:

ـ المهابة:

ومن الصفات التي ظهرت لي في سيرة عبد الله بن ياسين أنه كان مهيباً قوياً شديداً، فمن الأدلة على قوته البدنية : خوضه الحروب بنفسه وتقدمه في ميدان الفروسية، بل جعل من منهجه الذي ربى عليه أصحابه في هذا الجانب قوله تعالى:﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡء فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠﴾ [سورة الأنفال:60] وفسر الرسول ﷺ القوة في هذه الآية بالرمي بقوله: «ألا إن القوة الرمي» (رواه مسلم، رقم 910)، والرماية إن لم تخرج من ساعد قوي ومتين فهي لا تحقق الهدف المطلوب، وفي السنة نجد القوة البدنية لاقت حظاً وافراً، فالرَّسولُ ﷺ هو أقوى الأقوياء، وكان يشجع أصحابه رضي الله عنهم على اكتساب هذه الصفة، بل ربما كان يباريهم، ويصارعهم، ويسابقهم، كما تحدّثنا السيرة عن ذلك، يروى مرة أنه تسابق ﷺ مع عائشة رضي الله عنها مرة، ثم سبقته مرة، وكذلك تحدثنا السيرة عن مصارعته ﷺ لأحد أصحابه فصرعه.

ومر ﷺ على صبيان يرمون بالسهام فأخذ يرمي معهم ويشجعهم ويذكي فيهم روح البطولة والشجاعة والقوة، ويقول: «ارموا فإن أباكم إسماعيل كان رامياً » (رواه البخاري فتح الباري، 6/431).

وهذه الآية والأحاديث الفعلية كانت منهج عبد الله بن ياسين وأصحابه، ولذلك تظهر لنا صلابة وقوة أتباعه في ميادين القتال.

ومفهوم القران للقوة عام يشمل كل أنواع القوة، قال السعدي ـ رحمه الله ـ في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ﴾ [سورة الأنفال:60] أي: «كل ما تقدرون، من القوة العقلية، والبدنية، وأنواع الأسلحة، ونحو ذلك».

فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات، من المدافع والرشاشات والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والقلاع والخنادق، والات الدفاع، والرأي السياسي، التي يتقدم المسلمون عن طريقها، ويندفع عنهم بها شر أعدائهم، وتعلم الرمي بالشجاعة، والتدبير».

لقد جمع عبد الله بن ياسين ـ رحمه الله ـ من القوة الفكرية أنواعاً متعددة من قوة الإدراك، وقوة الصبر، وقوة العلم، وقوة التلقي، وغيرها من القوى.

ومن هنا يتضح لنا حاجة العاملين في الحركة الإسلامية إلى هاتين القوتين، البدنية والعقلية، وجميع أنواع القوى الفكرية لتوظيفها في الدعوة إلى الله (القطان والمهلهل، ص 22).

ولقد أشار القران الكريم إلى قيمة القوة العقلية والفكرية وإلى القوة البدنية في بيان أمة مجاهدة تحفز للنهوض بعبء النضال، في سبيل عقيدتها وحريتها، وكان من صفات قائدها أن الله أعطاه ومنّ عليه بهاتين القوتين البدنية والعقليّة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [سورة البقرة:247] . فبسطة العلم إشارة إلى القوة العقلية، وبسطة الجسم إشارة إلى القوة البدنية، قال الشيخ حسن البنا ـ رحمه الله ـ في الأصل الأول من الأصول العشرين: «إن القوة تشمل قوة الإنسان التي تجعله قوياً في نفسه وبدنه وعقله، وعليه أن يباشر الأسباب التي تجعله قوياً، أما قوّة نفسه فبالإيمان، وأما قوة بدنه فبالرياضة والفروسية ونحوها، أما قوة عقله فبالعلم».

والإنسان المسلم الذي وهبه الله القوة العقلية والفكرية والبدنية لا ينسى دائماً وأبداً قوة القوي العزيز الذي أمده بكل خير وفلاح وصلاح، وما سوى قوة اللهِ فهي قوة ضئيلة هزيلة، مهما أوتيت من وسائل البطش والقوة والتنكيل، فهي بمثابة خيوط العنكبوت:﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت:41]

قال سيد قطب ـ رحمه الله ـ في ظلاله: «وإن أصحاب الدعوات، الذين يتعرضون للفتنة والأذى والإغراء والإغواء لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة، ولا ينسوها لحظة، وهم يواجهون القوى المختلفة المعادية، التي تحاول

سحقهم وإبادتهم، كلها خيوط في حساب العقيدة الصحيحة» (القطان والمهلهل، ص 22) .

ـ الأمانة:

ومن الصفات الفطرية التي تميز بها الزعيم الديني لدولة المرابطين الأمانة، فحين وجد الفقيه عبد الله ياسين أن القلوب التفت حوله، وأصبح الامر الناهي في قبائل الملثمين، لم ينافس الأمير يحيى بن إبراهيم في منصبه، بل نجده لم يتجاوز حدوده، ولم يتدخل في سلطات الأمير يحيى مع مقدرته على إزاحته وإبعاده من الطريق ليتبوأَ الزعامة السياسية والدينية معاً، وهذا يدل على أمانة الداعية الفقيه عبد الله بن ياسين، والأمانة صفة مهمة للعاملين في الحركة الإسلامية، فهي ذات أنوار تشع على من حول الدعاة إلى الله فتجذبهم للانخراط في ميادين العمل الإسلامي الواسعة المحتاجة لكل جهد وشخص مخلص لهذا الدين.

والأمانة تحتاج إلى أشخاص أقوياء لحملها، ومفهوم الأمانة في القُران واسع جداً.

وقد وصف اللهُ المؤمنينَ الذين نالوا الفلاح في الدنيا والآخرة، وورثوا جنة الفردوس بصفات منها الأمانة، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨﴾ [المؤمنون: 8 ]

يقول سيد قطب ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية: «وراعون لأماناتهم وعهدهم أفراداً وراعون لأماناتهم وعهدهم جماعة، والأمانات كثيرة في عنق الفرد، وفي عنق الجماعة، والجماعة المسلمة مسؤولة عن أماناتها العامة، عن عهدها مع الله تعالى، وما يترتب على هذا العهد من تبعات، والنص يحمل التعبير ويدعه يشمل كل أمانة، وكل عهد، ويصف المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون، فهي صفة دائمة لهم في كل حين، وما تستقيم حياة الجماعة إلا أن تؤدى فيها الأماناتُ وترعى فيها العهود» (سيد قطب، نقلاً عن الصفات اللازمة لأصحاب الدعوات، ص 22).

فعبد الله بن ياسين ـ رحمه الله ـ اتصف بالأمانةِ، فعظم شأنهُ في نظر أتباعه وفي تاريخ المسلمين؛ لأنه كان أميناً في نفسه ومع إخوته، وحمل أمانة الإسلام، وبذل كل ما في وسعه، وتحرك بمنهج الله في دنيا الناس لتحكيم شرع الله، فأكسبته هذه الصفة في نفوس الناس قبولاً.

المصادر والمراجع:

1. الصلابي، علي محمد. تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي، ط1، 2006.

2. القطان، أحمد والمهلهل، جاسم. الصفات اللازمة للدعاة.

3. عباس، سعدون. دولة المرابطين في المغرب والأندلس.

4. ابن الخطيب، لسان الدين. الِحُلَل المَرِقومة في اللُّمَع المَنْظومة.

5. سيد قطب. في ظلال القرآن.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022