من هو فضيلة الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي حفظه الله تعالى ورعاه وجزاه الله عنا وعن المسلمين جميعًا خيرًا؟
رسالة إلى الجيل الذي يبحث عن طريقه
د. علي محمد الصلابي: من المحنة إلى الرسالة
شهادة شاب قرأ سيرة عالمٍ ليبحث عن معنى العلم والثبات والإصلاح
ليست كل السير تُقرأ بالطريقة نفسها. فهناك سيرة نقرأها لنعرف أين وُلد صاحبها، ومتى درس، وماذا ألّف، وأين عاش. وهناك سيرٌ أخرى تدفعك إلى ما هو أبعد من المعلومات، تجعلك تتساءل: ماذا صنعت الأيام بهذا الإنسان؟ وماذا صنعت المحن بعقله وروحه؟ وكيف انتقل من مرحلة إلى أخرى حتى أصبح الرجل الذي نراه اليوم؟ ومن هذا الباب قرأت سيرة د. علي محمد الصلابي.
ولست أكتب هذه السطور بصفة باحثٍ محايد يضع شخصيةً تاريخية تحت المجهر، ولا بصفة من يريد أن يرسم صورةً لرجلٍ من الرجال، وإنما أكتب بصفتي شابًا ليبيًا كان له شرف التواصل المباشر مع الشيخ، فقرأ سيرته من جهة، ثم اقترب من شخصه من جهة أخرى.
وهنا تحديدًا بدأت الصورة تختلف؛ فقد وجدت أن قراءة سيرة العالم شيء، وأن الاقتراب من العالم وسماع حديثه ومراسلاته ومتابعة اهتمامه بقضايا العلم والشباب شيء آخر. وعندما يجتمع الاثنان تبدأ في فهم الإنسان خلف الاسم، والرحلة خلف المكانة.
المحنة الأولى.. حين يتحول السجن إلى مدرسة تسمى مدرسة سيدنا يوسف الصديق
في مطلع شبابه كان الدكتور علي الصلابي طالبًا في كلية الهندسة، قبل أن تنقله ظروف الاعتقال إلى عالم مختلف تمامًا عن قاعات الدراسة. بين عامي 1981 و1988 قضى نحو سبع سنوات في سجون النظام الليبي السابق، وهي مرحلة يصفها الدكتور في بعض كتاباته وشهاداته بأنها كانت من أكثر مراحل حياته تأثيرًا في تكوينه العلمي والروحي. وقد تحدث عن إتاحة فرصة طويلة له داخل المعتقل لدراسة كتب الحديث والسيرة، وعن استفادته من المشايخ الذين التقاهم هناك.
واللافت في هذه التجربة ليس السجن وحده، وإنما الطريقة التي قرأ بها الرجل السجن بعد خروجه منه. فبدل أن يظل أسيرًا لذاكرة المحنة حوّلها إلى مادة للتعلم والتأمل. وفي حديثه عن تجربته أشار إلى معنى «مدرسة يوسف عليه السلام»؛ أي أن المكان الذي أراد له الآخرون أن يكون موضع كسر أصبح بالنسبة إليه موضع بناء.
وهنا أعتقد أن أول مفاتيح فهم شخصية الدكتور علي يبدأ من هذه النقطة:
(المحنة لا تصنع الإنسان وحدها؛ وإنما يكشف الإنسان ماذا سيفعل بالمحنة)
هناك من تخرجه المحنة ناقمًا، وهناك من تخرجه أكثر علمًا وأشد وعيًا وأعمق نظرًا إلى الناس والحياة.
سبعة عشر عامًا خارج الوطن.. الغربة التي لم تطفئ الوطن
بعد خروجه من السجن بدأت مرحلة أخرى طويلة من حياته؛ ففي 28 ديسمبر 1988 غادر ليبيا، ثم واصل رحلته إلى السعودية لطلب العلم، وعاد إلى ليبيا عام 2005. أي أن المسافة الزمنية بين الخروج والعودة امتدت إلى نحو سبعة عشر عامًا خارج الوطن. وهذه ليست رقمًا عابرًا، إنها مرحلة كاملة من العمر؛ سنوات كان يمكن أن تجعل الإنسان ينشغل بحياته الخاصة، وأن يستقر بعيدًا عن بلده، وأن يصبح الوطن مجرد ذكرى بعيدة.
لكن الذي يلفتني في تجربة الدكتور علي أن ليبيا ظلت حاضرة في كتاباته واهتماماته، ولم يتخلَّ عنها ولا عن مناصرة المستضعفين في البلاد، حتى وهو يتنقل بين بلاد طلب العلم والإقامة. ذهب إلى المدينة المنورة وواصل تحصيله العلمي، ثم انتقل إلى السودان وحصل على الماجستير والدكتوراه، وتكوّن علميًا في مجالات القرآن والتاريخ والفكر الإسلامي، واستفاد من عدد من العلماء والمدارس العلمية المختلفة. وهو نفسه يذكر في سيرته أسماء علماء تأثر بهم واستفاد من علمهم، من بينهم الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله، وأكرم ضياء العمري، وسلمان العودة، وعبد الكريم زيدان وغيرهم.
وهنا تظهر لي الغربة في سيرته بصورة مختلفة: لم تكن الغربة انقطاعًا عن الوطن، وإنما كانت مرحلة لبناء الأدوات التي أراد أن يعود بها إليه؛ من طالب علم إلى صاحب مشروع معرفي.
قد يظن البعض أن قيمة العالم تكمن في عدد كتبه، لكن الكتب وحدها لا تفسر شخصية صاحبها. فالدكتور علي لم يتجه إلى مجال واحد فقط، وإنما اتسعت اهتماماته بين القرآن الكريم، والسيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي، والخلفاء الراشدين، والدول الإسلامية، والحركة السنوسية، وفقه النصر والتمكين، والوسطية، وقضايا الإصلاح والمصالحة. وتعرض سيرته الرسمية قائمة واسعة من هذه الأعمال.
وهذا الاتساع في الاهتمام مهم عند قراءة شخصيته، لأنه يفسر لماذا لا تبدو رؤيته محصورة في زاوية واحدة. هو يقرأ التاريخ لا باعتباره حكايةً عن الماضي فقط، وإنما باعتباره مساحة لفهم قوانين الاجتماع والتغيير والصعود والانهيار، ويقرأ السيرة لا باعتبارها أحداثًا محفوظة، وإنما باعتبارها تجربة إنسانية يمكن أن يستخرج منها الإنسان معنى الصبر والقيادة والتربية والإصلاح. وهنا يصبح الكتاب عنده وسيلة، وليس غاية.
حين خرج العلم من الكتب إلى ميدان الإصلاح
ربما كانت هذه من أكثر المحطات التي تكشف طبيعة الرجل. ففي مرحلة ما بعد عودته إلى ليبيا عام 2005 دخل الدكتور علي في ملفات عامة شديدة الحساسية، من بينها الحوار بين النظام السابق وسجناء وقيادات الجماعة الليبية المقاتلة، ثم المراجعات الفكرية التي انتهت إلى إصدار كتاب «دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس».
والتوثيق هنا مهم، لأن هذه المرحلة لا ينبغي أن تُروى بأسلوب الأساطير. فالمصادر المعاصرة لتلك الأحداث توثق أن الدكتور علي كان أحد الوسطاء في الحوار، وأنه قال آنذاك إنه نقل وجهات نظر الأطراف، وساهم في تهيئة الأجواء للحوار، وناقش مع المعتقلين المسائل التي كتبوها، كما شاركت مجموعة من العلماء في مراجعة المادة. وهذه نقطة تستحق التأمل.
فالذي درس قضايا الجهاد والحكم والتاريخ في الكتب وجد نفسه أمام اختبار عملي: كيف يتحول العلم إلى وسيلة للحوار؟ وكيف يمكن للنقاش العلمي أن يفتح بابًا كان مغلقًا؟ ولا أرى ضرورة للمبالغة في وصف هذه التجربة أو تحميلها نتائج لا يمكن إثباتها بدقة. يكفي أن نقول إن الحوار والمراجعات كانت محطة بارزة في مسيرته، وإنها أنتجت وثيقة فكرية تناولت مسائل حساسة تتعلق بالعنف والتكفير والحكم والجهاد والإصلاح. وهذا في حد ذاته يكشف جانبًا من شخصية الدكتور علي: أن العلم عنده لم يكن رفوفًا من الكتب، وإنما كان يُختبر عندما تنزل الأفكار إلى أرض الواقع.
من خلال تواصلي المباشر.. العالم الذي يراه الشاب من مسافة قريبة
وهنا أصل إلى الجزء الذي يخصني أنا. لو أنني قرأت سيرة الشيخ فقط لربما كتبت عنه كما يكتب الباحث عن شخصية علمية، لكن التواصل المباشر يغير شيئًا في الصورة. عندما تتحدث إلى عالمٍ كبير وأنت شاب فإنك لا تبحث فقط عن معلومة؛ أنت تراقب شيئًا آخر دون أن تشعر: كيف يستمع؟ كيف يرد؟ هل يأخذ كلام الشباب بجدية؟ هل يرى الشاب مجرد متابع، أم يراه إنسانًا يمكن أن يحمل مسؤولية في المستقبل؟
وفي تواصلي مع الشيخ كان أكثر ما استوقفني هو أن الحديث معه لا يجعل المسافة بين العالم والشاب حاجزًا مغلقًا. قد تختلف مع الشيخ، أو تسأله، أو تعرض عليه فكرة، أو ترسل له شيئًا كتبته، لكنك تشعر أن هناك مساحة للاستماع والنقاش. وهذا بالنسبة إلى جيلنا ليس أمرًا صغيرًا.
فنحن نعيش في زمن أصبح فيه الشاب محاطًا بآلاف الأصوات في هاتفه؛ عشرات الآراء كل يوم، ومئات المقاطع، ومئات من يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحقيقة. لكن المشكلة ليست في قلة الأصوات، المشكلة في قلة الأصوات التي تستحق أن تُسمع بتأنٍّ. ولهذا فإن وجود عالم يستطيع الشاب أن يعود إليه بالسؤال، وأن يناقشه، وأن يجد عنده العلم قبل الحماس، هو قيمة تربوية قبل أن يكون قيمة معرفية.
لماذا بقيت سيرة الدكتور علي الصلابي عالقة في ذهني؟
لأنني عندما وضعت مراحل حياته بجانب بعضها، رأيت خيطًا واحدًا يمتد بينها:
المحنة / العلم / الغربة / الكتابة / الحوار / الإصلاح
السجن لم يكن نهاية، والغربة لم تكن قطيعة، والعلم لم يبقَ في الكتب، والكتابة لم تكن مجرد مراكمة للمؤلفات، والحوار لم يكن مجرد حديث سياسي. كل مرحلة دفعت إلى المرحلة التي بعدها، وهذا هو المعنى الذي جعلني أقرأ سيرته بصورة مختلفة.
قد يختلف الناس حول بعض مواقفه واجتهاداته، وقد يختلفون في تقييم بعض مراحل تجربته العامة، وهذا طبيعي في حياة رجل عاش عقودًا في قلب أحداث فكرية وسياسية واجتماعية معقدة. لكن الاختلاف لا يلغي حقيقة يمكن ملاحظتها بوضوح: أن الرجل قضى عمره في طلب العلم والكتابة والتأليف والانشغال بالقضايا الإسلامية والإصلاح والشأن الليبي.
العالم الذي لا أبحث فيه عن صورة كاملة
أنا لا أكتب هذه الشهادة لأقول إن الشيخ معصوم من الخطأ. العالم بشر، وله اجتهاداته، وقد يصيب وقد يخطئ، وقد يوافقه الناس في موقف ويختلفون معه في آخر. لكنني أعتقد أن احترام العلماء لا يعني أن نحولهم إلى أشخاص فوق النقد، كما أن نقد موقفٍ ما لا ينبغي أن يتحول إلى إسقاطٍ كامل لسيرة رجل قضى عقودًا في العلم والكتابة والتربية.
وهذا تحديدًا ما أبحث عنه كشاب: أن أتعلم كيف أحترم العالم دون أن أقدسه، وكيف أستفيد من تجربته دون أن ألغي عقلي، وكيف أختلف معه إن اختلفت، دون أن أفقد أدب الاختلاف. وهذه في حد ذاتها مدرسة.
ماذا يمكن أن يتعلم الشباب من هذه السيرة؟
ربما لا تكون الرسالة الأهم في حياة الدكتور علي هي عدد الكتب، ولا عدد السنوات التي قضاها في الغربة، ولا عدد اللقاءات التي شارك فيها. الرسالة الأهم في نظري هي أن الإنسان لا ينبغي أن يسمح لظروفه بأن تحدد نهايته. قد يدخل الإنسان السجن، لكنه يستطيع أن يخرج منه بعلم. قد يعيش الغربة، لكنه يستطيع أن يجعلها مرحلة بناء. قد يعود إلى وطنه مثقلًا بسنوات بعيدة، لكنه يستطيع أن يحاول أن يجعل من علمه وتجربته شيئًا ينفع الناس. وقد يبدأ شابًا يبحث عن الطريق، ثم يتحول مع مرور السنوات إلى رجل يحمل مسؤولية الكلمة.
ولهذا فإنني حين أقرأ تجربة الشيخ لا أسأل فقط: كم كتابًا كتب؟ بل أسأل: ماذا صنعت هذه الكتب في الإنسان الذي كتبها؟ وماذا يمكن أن تصنع في شاب يقرأها اليوم؟
الخاتمة: من المحنة إلى الرسالة
في نهاية الأمر، ربما تكون أجمل طريقة لقراءة الدكتور علي محمد الصلابي هي ألا نقرأه من صورة واحدة؛ لا من صورة العالم فقط، ولا من صورة الكاتب، ولا من صورة السياسي، ولا من صورة الداعية، بل من مجموع الرحلة:
شابٌ دخل السجن، ثم خرج منه طالبًا للعلم.
رجلٌ غادر وطنه في نهاية عام 1988، وعاش نحو سبعة عشر عامًا خارج ليبيا قبل عودته عام 2005.
طالب علم تنقل بين مدارس وتجارب علمية متعددة.
كاتب جعل التاريخ والسيرة والقرآن والفكر الإسلامي ميادين واسعة لمشروعه العلمي.
ورجل وجد نفسه في مراحل لاحقة داخل ملفات حوار وإصلاح ومصالحة شديدة التعقيد.
ثم عالمٌ ما زال يتواصل مع جيل جديد من الشباب، ويجد هؤلاء الشباب في قربه فرصةً لسؤالٍ أو نصيحة أو حوار.
أما أنا كشاب، فلم أبحث في هذه السيرة عن رجلٍ بلا أخطاء، ولا عن صورةٍ مثالية لا وجود لها. بحثت عن معنى أن يصبر الإنسان حين تضيق به الأيام. ومعنى أن يجعل العلم زادًا لا زينة. ومعنى أن يخرج من المحنة أكثر بناءً لا أكثر انكسارًا. ومعنى أن يحمل الإنسان وطنه معه حتى حين تبتعد به المسافات. ومعنى أن يبقى للشباب مكان في مجلس العالم، وفي اهتمامه، وفي وصيته، وفي مشروعه.
ولذلك، كلما عدت إلى سيرة الشيخ علي محمد الصلابي حفظه الله وأطال في عمره، أجد أن العنوان الأنسب لها ليس السجن، ولا الغربة، ولا الكتاب، ولا السياسة. بل:
من المحنة إلى الرسالة
فالمحنة كانت محطة، والعلم كان الطريق، والرسالة هي ما بقي.
وما أتمناه من تجربته، ومن كل عالمٍ نقترب منه، ألا نكتفي بالإعجاب بالسيرة، بل أن نسأل أنفسنا السؤال الأصعب: ماذا سنفعل نحن بما تعلمناه؟ فالعالم الحقيقي لا تنتهي رسالته عند آخر صفحة من كتابه، وإنما تبدأ حين تتحول كلماته في جيلٍ جديد إلى علمٍ وعملٍ وخلقٍ وإصلاح.
منقول من
أبو صلاح
شهادة شاب ليبي قرأ سيرة عالمٍ ثم اقترب منه، فصار يبحث من خلال سيرته عن معنى العلم والثبات والإصلاح.