الجمع بين مقام الصديقيّة وفضل النبوّة .. تكريم القرآن الكريم لإدريس عليه السلام
بقلم: د. علي محمد الصلابي
ورد ذكر إدريس عليه السلام في القرآن الكريم في سورة الأنبياء وفي سورة مريم، وقد جاء ذكر إدريس عليه السلام في سورة مريم بعد قصة عيسى وإبراهيم وموسى وهارون عليهم السلام، قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ (58)﴾ [سورة مريم: 56-58].
فقد كرّم الله تعالى إدريس عليه السلام بأن وصفه وجمع فيه مقامي الصديقيّة والنبوّة، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾، فالآية لا تقتصر على ذكر نبيّ من أنبياء الله، بل تبرز مقامًا رفيعًا جمع بين الصدّيقية والنبوّة، وتضع ذلك في سياق عرض سير الأنبياء لتقرير صدق الرسالة المحمدية وإقامة الحجة على المخالفين. كما يوضح المقال معنى الصدّيقية، وعلاقتها بالتصديق واليقين والعمل، ويفرّق بينها وبين مقام النبوة الذي هو اصطفاءٌ إلهي محض، فيكشف عن عظمة المنّة الإلهية على عباده المصطفين.
1-﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾، والأمر هنا صريحٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر إدريس عليه السلام، وهذا الأمر ينطبق على كل مسلم ذاكرٍ متذكرٍ من بعده، والمراد بالكتاب في قوله تعالى:﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾، القرآن، كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، والذي أخبره فيه عن قصص أنبياء السابقين، وقد سبق هذه الآيات قوله في التذكير بإبراهيم عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [سورة مريم: 41]، وقوله تعالى في التذكير بموسى عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ [سورة مريم: 51]، وقوله تعالى في التذكير بإسماعيل عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ [سورة مريم: 54] (الخالدي، 4/87)، أي أن الله أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يذكر في القرآن كلّاً من إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس عليهم السلام.
وكان الكلام قبل ذلك عن قصة ولادة ونبوة عيسى بن مريم عليه السلام، وذِكرُ هؤلاء الأنبياء الخمسة في صورة مريم لتقرير حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولإقامة الحجة على الطوائف الموجودة زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وهم اليهود والنصارى والعرب المشركون.
إبراهيمُ عليه السلام أبو الأنبياء وكل الطوائف الثلاثة تدّعي الانتساب إليه والإيمان به، وموسى عليه السلام نبي اليهود، و عيسى عليه السلام نبّي النصارى، وتذكير الطوائف الثلاثة بهؤلاء الأنبياء وذكر طرفٍ من أخبارهم في القرآن دليلٌ على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أن القرآن كلام الله (الخالدي، 4/87).
2- ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾: وقد وَصفت الآية إدريس عليه السلام بوصفين: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾، وهما الوصفان الذان وُصف بهما إبراهيم عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [سورة مريم: 41]، فإبراهيم صدّيقٌ ونبي، وإدريس صدّيقٌ ونبي، عليهم الصلاة والسلام. ومقام "الصدّيقية" مقامٌ عظيم للمقربين عند الله تعالى، وصف الله نبيّيه الكريمين إبراهيم وإدريس عليه السلام، ووصف به يوسف عليه السلام في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ [يوسف: 46]، وهذا مقام قد يصل إليه السابقون من المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: 19].
و"الصدّيق" مبالغةٌ من الصدق والتصديق، فالصدّيق صادقٌ أولاً في قوله وفعله، وهو صديقٌ لكل صادق، بينهما صداقة ومودة، ثم هو صدّيقٌ دائم الصدق والصداقة والتصديق، وكل نبيٍ صِديق، لأنه صادقٌ وصديقٌ وصدّيق، ومعلوم لدينا أن "الصديق" لقبٌ شريفٌ مبارك، أجمع المسلمون على إطلاقه على أفضل الناس بعد الأنبياء، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه (الخالدي، 4/87).
إن الصدّيقَ هو الذي بلغ الغاية في تصديق الحق، فيُورثه الله شفافيةً وإشراقاً بحيث يهتدي إلى الحق ويميزه عن الباطل من أول نظرةٍ في الأمر دون بحث وتدقيق في المسألة، لأن الله تعالى يهبُكَ النور الذي يبدد عنك غيوم الشكّ، ويهبك الميزان الدقيق الذي تزن به الأشياء، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: 29] (الشعراوي، 15/9092).
ومن هنا سمّي أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه صدّيقاً، ليس لأنه صادق في ذاته فقط، بل لأنه يصدّق كل ما جاءه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد وَصَف رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا أبا بكر بالصدّيقية، ولقد كان سيدنا أبو بكر صادقاّ لا يكذب، وكان يسارع إلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يخبر به، وكان يسارع إلى العمل بما تقتضيه الأخبار إن كانت تقتضي عملاً، وكان وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي بكر بالصدّيق في مكة قبل الهجرة بمناسبة حادثةٍ معينةٍ هي حادثة الإسراء، وذلك حين أخبروا أبا بكرٍ بخبر الإسراء والمعراج الذي كذّب به كثيرون، فكانت ردوده: ماذا قال؟ أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: إن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يُصبح؟ قال: نعم، إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدّقه بخبر السماء في غدوةٍ أو روحة. ولذلك سُمّي أبو بكر الصدّيق (الشعراوي، 15/9093-9092).
إن الأمر عنده متوقفٌ على مجرّد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الميزان عنده، وطالما أن رسول الله قد قال فهو صادق هكذا دون جدال ودون نقاش ودون بحث في ملابسات هذه المسألة، لذلك عُرف من يومها بأنّه الرجل الصدّيق عن جدارة (الشعراوي، 15/9093).
كان إدريس عليه السلام "صدّيقاً" وكان أيضاً "نبيّاً" لأن الإنسان قد يكون صدّيقاً يعطيه الله شفافيةً خاصة، وليس من الضروري أن يكون نبيّاً، كما كانت مريم الصدّيقة عليها السلام، قال تعالى في سورة المائدة: ﴿ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [سورة المائدة: 75]، أي مصدّقةٌ للأنبياء مؤمنة بهم، قال تعالى في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [سورة التحريم: 12]، فالصدّيقية صفةٌ ذاتية إشراقية من الله، أما النبوّة فهي عطاءٌ وتشريع يأتي من أعلى، وهدىً يأتي من الله يحمِلُ النبي مسؤوليته (الشعراوي، 15/9093).
إن الله عز وجل جمع لإدريس عليه السلام بين الصدّيقية الجامعة للتصديق التام والعلم الكامل واليقين الثابت والعمل الصالح، وبين اصطفائه لوحيه واختياره لرسالته، والنبي هو من بُعث لتقرير شرعِ من قبله، والنبوة هي السفارة بين الله وبين ذوي العقول لإزاحة عللهم في أمر معادهم ومعاشهم (السعدي، ص 646).
ويقول الراغب الأصفهاني في سبب التسمية: ويُسمى نبيّاً لرفعة محلّه على سائر الناس، المدلول عليه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [سورة مريم: 57] (الراغب الأصفهاني، ص 790). وحقيقة النبوة اتصالٌ بين الخالق والمخلوق في تبليغ شرعه، وسفارة بين الملك المالك الواحد الأحد وعبيده، ودعوةٌ من الرحمن الرحيم تبارك وتعالى لخلقه ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وينقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فهي نعمةٌ مهداة من الله تبارك وتعالى إلى عبيده، وفضلٌ إلهي يتفضّل به عليهم، وهذا في حقِّ المُرسَل إليهم، وأما في حق المُرسَل نفسه فهي امتنان من الله يمنّ بها عليه، واصطفاءٌ من الربّ له من بين سائر الناس، وهبةٌ ربانية يختصه الله بها من بين الخلق كلهم، ولا تُنال النبوة بعلمٍ ولا رياضة، ولا تُدرك بكثرة طاعةٍ ولا عبادة، ولا تأتي بتجويع النفس أو إظمائها، كما يظن من في عقله بلادة، وإنما هو محض فضلٍ إلهي واصطفاء رباني، فهو جلّ وعلا كما أخبر عن نفسه: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة آل عمران: 74].
إن النبوة لا تأتي باختيار النبيّ، ولا تُنال بطلبه، ولذلك مما قال المشركون: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [سورة الزخرف: 31]، فأجابهم الربّ تبارك وتعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: 32]، فالله تعالى هو الذي يقسم ذلك ويتفضّل به على من يشاء من الناس، ويصطفي من يشاء من عباده ويختار من يشاء من خلقه، ما كانت الخيرةُ لأحدٍ غيره، وما كان الاختيار لأحدٍ سواه. إن الله عز وجل أكرم إدريس عليه السلام بمقام الصدّيقية والنبوّة، وذلك فضل من الله محض على عبده إدريس عليه السلام (ابن تيمية، 1/20).
المصادر والمراجع:
1. الخالدي، صلاح، القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث.
2. الشعراوي، تفسير الشعراوي.
3. السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
4. الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن.
5. ابن تيمية، كتاب النبوّات، تحقيق عبدالعزيز الطويان.
1. الصلابي، علي محمد، أنبياء الله إدريس وإلياس وذو الكفل واليسع عليهم السلام.