الأحد

1447-11-02

|

2026-4-19

من بيت العلم إلى طريق الدعوة: التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله

الحلقة الأولى

بقلم: د. علي محمد الصّلابي

 

شهد القرن العشرين نجوم ساطعة، وأقمار هادية، وشموس منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروب طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى الأمّة والعالم كلّه، ولا تزال آثارها ماثلة حتّى اليوم. وإن زمن هؤلاء الروّاد المصلحين يبرز الشيخ الدكتور مصطفى حسني السباعيّ - رحمه الله - رجل العلم والدعوة والجهاد (1333-1384ه) (1915-1964) حيث أنجز في عمره القصير الذي لم يتجاوز التاسعة والأربعين، ما لا يستطيع غيره ممّن عاشوا أكثر منه في العمر ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وإن الكتابةُ عن سيرةِ المصلحين والمفكرين الكبار هي في حقيقتها رحلة تعلّم حيّة، وشهادة وجدانيّة على أثرهم في تشكيلِ وعينا ومسارنا. وحين أقف عند البدايات الأولى للشيخ مصطفى السباعي، فإنّي أقرأ تجربةً تُحاورُني، وتُعيدُ ترتيبَ مفاهيمي عن قيمة التكوين، ودور البيئة، وأثر البدايات في صناعة الرجال المصلحين في هذه الأمة. وقد وجدتُ في نشأته ما يتجاوز حدود السرد؛ وجدتُ فيها معالم طريق، ودروساً تتسلّل بهدوء إلى النفس، فتوقظ فيها سؤال المسؤولية، وتغرس فيها معنى الانتماء إلى رسالة أكبر من الفرد. ومن خلال تأمّلي في تلك المرحلة المبكّرة من حياته، أدركتُ كيف يمكن لبيت قائم على العلم، ولبيئة مشبعة بالإيمان، أن تصوغ عقلاً يقظاً، وقلباً حيّاً، ورسالةً لا تنطفئ.

من هو الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله؟

وُلد مصطفى حسني السباعيّ في عام 1915م في مدينة حمص السوريّة في أسرة علميّة عريقة، حيث كان أجداده وأبوه يتولّون الخطابة في الجامع الكبير بحمص جيلاً بعد جيل، وكان أبوه الشيخ حسني السباعيّ في طليعة المقارعين للاحتلال والاستعمار، ومن محبّي الخير، مساهماً في تأسيس الجمعيّات الخيريّة والمشاريع الاجتماعيّة، يحرص على عقد مجالس العلم مع لفيف من فقهاء حمص وعلمائها الأخيار، حيث كانوا يتدارسون الفقه ويتناقشون في أدلّة مسائله (مجموع مؤلفات مصطفى السباعي، المصدر السابق، (1/5)).

قال الشيخ محمّد بهجت البيطار: "نشأ في بيت دين وعلم وكرم وصلاح بعيداً عن اللغو والمجون، وبدأ السباعيّ - رحمه الله - بحفظ القرآن الكريم، وتلقّى مبادئ العلوم الشرعيّة على أبيه، وكان الشيخ مصطفى يصحب أباه إلى مجالس العلم التي يحضرها علماء حمص من أمثال ظاهر الريّس، وسعيد الملوحيّ، وفائق الأتاسيّ، وراغب الوفائيّ" (من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية، (3/1225)).

ودخل المدرسة الابتدائيّة المسعوديّة، وبعد أن أتمّ فيها دراسته بتفوّق التحق بالثانويّة الشرعيّة وأتمّ دراسته فيها عام 1930م بنجاح باهر لفت أنظار كبار أساتذته الذين كانوا يتوقّعون له مستقبلاً علميّاً باهراً. ولم يقتصر في دراسته الشرعيّة على المناهج المدرسيّة وإنّما كان يحضر مجالس العلم التي كان يعقدها والده مع كبار الفقهاء والعلماء، وكان يتردّد على غيرهم من علماء حمص يتلقّى العلوم عنهم، العلوم الإسلاميّة المختلفة.

ولمّا بلغ السباعيّ الثالثة عشرة من عمره (1928م) شهد نقطة تحوّل أساسيّة في حياته كلّها؛ إذ اطّلع وهو في هذه السنّ المبكّرة على مجلّة (الفتح) التي كان يصدرها الأستاذ محبّ الدين في القاهرة، حيث كانت تتناول واقع المسلمين وتبعث في الأمّة معاني الإسلام والنهوض، فتأثّر بها تأثّراً شديداً كما يقول: "لا أعرف أنّ لأحد فضلاً عليّ فيما أجده في نفسي من غيرة على الإسلام وحميّ’ في الدفاع عنه، وآلام بالغة فيما وصلت إليه حال المسلمين إلّا لرجل واحد أحببته قبل أن أراه ثمّ لم تزدني معرفتي به إلّا حبّاً فوق حبّي له وإكباراً لا يدانيه إكباري لأحد من رجالات المسلمين اليوم ذلك هو المسلم الذي فهم الإسلام حقّ فهمه وخدمه حقّ خدمته: الأستاذ محبّ الدين الخطيب". (مجموع مؤلّفات الدكتور السباعي، (1/6)). وانظر: (مصطفى السباعي، د.عدنان زرزور، ص90).

لقد أشعلت فيه مجلّة (الفتح) شرارة العمل المبكّر في سبيل الله وخدمة المسلمين والمنافحة عنهم، فقام بتأليف جمعيّة سرّيّة لمقاومة مدارس التبشير الأجنبيّة التي أنشئت بمساعدة السلطات الاستعماريّة الفرنسيّة، وكانت هذه المدارس تحبّب إلى طلّابها المدارس الغربيّة وتعمل على إبعادهم عن عقيدتهم، فعمل السباعيّ على محاربتها بالفكر والثقافة والعلم والمعرفة والحجّة والبرهان (مجموع مؤلفات الدكتور مصطفى السباعي، (1/6).

وكان يلقي خطبة الجمعة في كثير من الأحيان في الجامع نيابة عن أبيه، ممّا جعله يحتلّ مكانه مرموقة في بلده، وحاز إعجاب الجماهير التي كانت تتوق لسماع خطبه القويّة الحماسيّة ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، وكان يكتب المنشورات ويوزّعها سرّاً، وأنكر بعض البدع والعادات في المجتمع، فلم تلبث سلطات الانتداب الفرنسيّة أن ألقت القبض عليه وأودعته السجن عام 1931م وهو في السادسة عشرة من عمره، ولم تكد تفرج عنه حتّى اعتقلته مرّة أخرى إثر خطبة عصماء أهاج بها المصلّين على الفرنسيّين عام 1932م فمكث في السجن ستّة أشهر.

شهادتي بالشيخ الدكتور مصطفى السباعي ..

تعرّفت على سيرته وعلى علمه من خلال كتابه (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلاميّ) وأصل الكتاب رسالة دكتوراه في الأزهر الشريف، وكان لهذا الكتاب تأثير علميّ، واكتسبت المهارات والردود العلميّة في الدفاع عن السنّة ومكانتها أمام حملات التشكيك وشبُهات المستشرقين ومن سار على نهجهم المظلم، وكذلك كتابه الماتع الرائع (من روائع حضارتنا)، وكذلك (عظماؤنا في التاريخ)، و (السيرة النبويّة دروس وعِبَر)، وكتابه (الاستشراق والمستشرقين)، وعرفت فيما بعد تاريخ هذا العالم المجاهد بالتفصيل، وقد كتب الدكتور عدنان محمّد زرزور كتابه الشهير الذي طبعته دار القلم في أعلام المسلمين رقم (82) مصطفى السباعيّ الداعية المجدّد، وهذا الكتاب توسّع في سيرة السباعيّ - رحمه الله - وعلى حسب اطّلاعي، من أهمّ المراجع في سيرة الراحل الكبير، وصدرت دراسة جديدة (مصطفى السباعيّ وجهوده في السنّة والفقه) للدكتور إبراهيم محمود إبراهيم، وأصل الكتاب رسالة علميّة تقدّم بها الكاتب أطروحة علميّة إلى جامعة عين شمس بمصر.

كان الشيخ السباعيّ - رحمه الله - أحد الشخصيّات الإسلاميّة النادرة في علمها وفكرها وفي عواطفها ومشاعرها، وفي أخلاقها وسلوكها، وفي دعوتها وجهادها، كان خطيباً وسياسيّاً يهزّ أعواد المنابر، ومحاضراً يأسر سامعيه بعمق فكره وجميل أسلوبه، ومؤلّفاً متمكّناً يوثّق أقواله بالأدلّة العلميّة، وزعيماً شعبيّاً يقود الجماهير بكياسة وحكمة، وقائداً إسلاميّاً يقود سفينة الدعوة بوعي وصبر وثبات (موسوعة الأعمال الكاملة، (72/87)).

والناظر في حياته يقف أمام رجل في حراك دائم حيثما حلّ، متعدّد المواهب والطاقات والأعمال، فهو الداعية الموفّق، وهو العالم المدقّق، والفقيه الناصح، وهو السياسيّ المحنّك، وهو الخطيب المصقع، والقائد الرائد، والمجاهد المقاتل، والاجتماعيّ المصلح، والمربّي الناجح، والأكاديميّ الفذّ، والمؤلّف الشهير، والمحاضر النبيه، والمفكّر الألمعيّ، وصاحب المبادرات غير المسبوقة، وهو السجين الصابر، وهو المريض المصابر.

ومن اطّلع على سيرته بعمق يجد أن ّما سبق ليس من قبيل المبالغات أو المجاملات، بل يرى الحقائق تكاد تنطق بوضوح بذلك (مجموع مؤلفات مصطفى السباعي، (1/2)).

المراجع:

حسين، محمد الخضر.(2010). موسوعة الأعمال الكاملة.

السباعي، مصطفى حسني. (2021). مجموع مؤلفات الدكتور مصطفى السباعي 1 – 7. بيروت، لبنان: دار الوراق للنشر والتوزيع.

عدنان محمد زرزور. (2010). مصطفى السباعي: الداعية المجدد. دمشق، سوريا: دار القلم.

عقيل، عبد الله. (2008). من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة. دار البشير.

ملاحظة: هذه المقالة ضمن سلسلة من ٦ مقالات عن حياة الشيخ مصطفى السباعي وشهادتي به. وهذه معلومات من مسودة كتاب عن مذكرات وذكريات في طلب العلم والإصلاح والسياسة. 


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022