الجمعة

1447-10-29

|

2026-4-17

حوار أبي سفيان مع الرسول ﷺ وأصحابه بعد غزوة أحد

بقلم: د. علي محمد الصلابي

يعكس حوار أبي سفيان مع الرَّسول (ﷺ) وأصحابه بعد غزوة أحد مشهداً من مشاهد الصراع بين الحق والباطل، حيث تتجلّى فيه مواقف الثبات والعزة لدى المسلمين في أحلك الظروف، ويبرز هذا الحوار دلالاتٍ عميقة تتعلق بالحكمة في إدارة المواقف، وقوة العقيدة، وأثر القيادة الواعية، كما يكشف عن أبعاد نفسية ومعنوية في المواجهة، تؤكد أن النصر لا يكون بالقوة المادية وحدها، بل بالإيمان واليقين والثبات.

قال البَراءُ رضي الله عنه: وأشرفَ أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمَّدٌ؟ فقال رسولُ الله(ﷺ): «لا تجيبوه» فقال: أفي القوم ابنُ أبي قُحَافَةَ؟ قال: «لا تجيبوه». فقال: أفي القوم ابنُ الخطَّاب؟ فقال: إنَّ هؤلاء القوم قُتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا فلم يملك عمرُ رضي الله عنه نفسَه، فقال: كذبتَ يا عدوَّ الله! أبقى اللهُ عليك ما يُخزيك. قال أبو سفيان: اعْلُ هُبَلُ! فقال النَّبيُّ (ﷺ): «أجيبوه». قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: «الله أعلى وأجلُّ». قال أبو سفيان: لنا العُزَّى. ولا عُزَّى لكم. فقال النَّبيُّ (ﷺ): «أجيبوه». قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: «اللهُ مولانا، ولا مولى لكم». قال أبو سفيان: يومُ بيوم بدر، والحرب سِجَالٌ، وتجدون مُثلةً لم امُرْ بها، ولم تَسُؤْني. [البخاري (4043)، والبيهقي في الدلائل (3/268)] وفي روايةٍ: قال عمر: لا سواء! قتلانا في الجنَّة، وقتلاكم في النَّار». [أحمد (1/463) ، ومجمع الزوائد (6/110)]. (العمري، السيرة النبوية الصحيحة، 2/392) (ابن هشام، سيرة ابن هشام).

كان في سؤال أبي سفيان عن رسول الله (ﷺ)، وأبي بكرٍ، وعمر رضي الله عنهما دلالةٌ واضحةٌ على اهتمام المشركين بهؤلاء دون غيرهم؛ لأنَّه في علمهم أنَّهم أهل الإسلام، وبهم قام صَرْحُهُ، وأركان دولته، وأعمدة نظامه، ففي موتهم يعتقد المشركون: أنَّه لا يقوم الإسلام بعدهم.

وكان السُّكوت عن إجابة أبي سفيان أوَّلاً؛ تصغيراً له، حتَّى إذا انتشى، وملأه الكِبْر؛ أخبروه بحقيقة الأمر، وردُّوا عليه بشجاعةٍ (العمري، السيرة النبوية الصحيحة، 2/392) (ابن هشام، سيرة ابن هشام).

وفي هذا يقول ابن القيِّم في تعليقه على هذا الحوار: فأمرهم بجوابه عند افتخاره بالهته، وبشركه؛ تعظيماً للتَّوحيد، وإعلاماً بعزَّة من عَبَدَهُ المسلمون، وقوَّة جانبه، وأنَّه لا يُغْلَبُ، ونحن حزبُه، وجندُه، ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمَّد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ بل روي: أنَّه نهاهم عن إجابته، وقال: «لا تجيبوه»؛ لأنَّ كلْمَهم لم يكن برد في طلب القوم، ونارُ غيظهم بعدُ متوقِّدةٌ، فلمَّا قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كُفيتُموهم؛ حمي عمر بن الخطَّاب، واشتد غضبه، وقال: كذبت يا عدوَّ الله! فكان في هذا الإعلام من الإذلال، والشَّجاعة، وعدم الجبن، والتَّعرُّف إلى العدوِّ في تلك الحال ما يؤذنهم بقوَّة القوم، وبسالتهم، وأنَّهم لم يهِنوا، ولم يَضْعُفُوا، وأنَّه، وقومَه جديرون بعدم الخوف منهم، وقد أبقى الله لهم ما يسوؤهم منهم، وكان في الإ-اعلام ببقاء هؤلاء الثَّلاثة وهلةٌ بعد ظنِّه، وظنِّ قومه: أنَّهم قد أُصيبوا من المصلحة، وغيظ العدوِّ، وحزبه، والفتِّ في عَضُده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحداً، واحداً، فكان سؤاله عنهم، ونعيُهم لقومه آخر سهام العدوِّ، وكيده، فصبر له النَّبيُّ (ﷺ) حتَّى استوفي كيده، ثمَّ انتدب له عمر، فردَّ بسهام كيده عليه، وكان ترك الجواب عليه أحسن، وذكره ثانياً أحسن، وأيضاً: فإنَّ في ترك إجابته حين سأله عنهم إهانةً له، وتصغيراً لشأنه، فلمَّا مَنَّتْهُ نفسهُ موتهم، وظنَّ: أنهم قد قُتلوا، وحصل له بذلك من الكبر، والأشر ما حصل، كان في جوابه إهانةٌ له، وتحقيرٌ، وإذلالٌ، ولم يكن هذا مخالفاً لقول النَّبيِّ (ﷺ): «لا تجيبوه» فإنَّه إنَّما نهى عن إجابته حين سأل: أفيكم محمَّد؟ أفيكم فلان؟ ولم يَنْهَ عن إجابته حين قال: أما هؤلاء فقد قُتلوا، وبكلِّ حالٍ، فلا أحسنَ مِنْ ترك إجابته أولاً، ولا أحسنَ مِنْ إجابته ثانياً (ابن القيم، زاد المعاد، 3/202..203).

المصادر والمراجع:

() العمري، أكرم ضياء. السِّيرة النَّبويَّة الصَّحيحة.

(2) سيرة ابن هشام.

(3) ابن قيم الجوزية. زاد المعاد في هدي خير العباد.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022