الثلاثاء

1447-11-04

|

2026-4-21

دعاء نوح -عليه السلام- لابنه ... بين العاطفة الأبوية وحقيقة الإيمان

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

إن قصة نوح عليه السلام من أعظم القصص القرآنية التي تكشف عن دقائق الإيمان ومعاني العبودية الخالصة لله تعالى، خاصة في مواقف الابتلاء والاختبار، ومن أبرز تلك المواقف دعاؤه لابنه وما تبعه من توجيه إلهي يرسخ رابطة العقيدة ويعليها فوق رابطة النسب.

إنَّ نوحاً (عليه السلام) قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: 45]، وقد ردَّ الله عليه بقوله: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46]، فيأخذ المعارضون من هذا أن نوحاً (عليه السلام) كذب، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه كان يعلم أن زوجه وولده ممن سبق عليهما القول حيث هلكا مع الهالكين، فكيف يسأل ربه نجاة كافر (الرازي، ص 23).

ويستدلون على أنه ارتكب ذنباً بأن الله تعالى زجره زجراً شديداً فقال: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:46].

ثم إن تعوذه (عليه السلام) من سؤاله ربه مالا علم له به إيذان بصدور الذنب عنه، قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:47].

ورد هذه الشبهة: كون نوح (عليه السلام) يقول: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: 45]، هذا لا يعدُّ ذنباً؛ وذلك لأنه إما أن يكون ظن أن أهله الذين وعدهم الله سبحانه بنجاتهم هم قرابته وعلى رأسهم ابنه، أو أن يكون حين رأى ابنه في معزل عن الكافرين فلربما ظن أن ابنه رجع عن الكفر، فرجى أن يكون هذا الاعتزال سبيلاً إلى دخوله في زمرة المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:42].

يقول صاحب كتاب المنار: يحتمل أن يكون (عليه السلام) حين رأى ابنه بمعزل عن الكفار ظن أنه قد بدا له في كفره فكرهه وجنح للإيمان، ويحتمل أن يكون قد فهم أنه غير داخل في عموم قوله تعالى له: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود:36]؛ لأنه تعالى جعل الناجين قسمين: أهله إلا من استثنى، ومن آمن من قومه، فجاز في فهمه أن يؤمن من اهله من كان كافراً لأنهم قسيم من لقومه لا قسم منهم، فالله عز وجل بين لنوح (عليه السلام) أن الأهل عنده تعالى في دينه وميزانه، ليسوا قرابة الدم، وإنما هم قرابة العقيدة، وأما كونه (عليه السلام) قد سأل وزُجر عن ذلك: فلان الله تعالى أراد أن يعرفه أنه يسأل فيما ليس له به علم صحيح (نصير، ص 201)، ويَقول: أيّ فلا تسألني في شيء ما، من الأشياء ليس لك به علم صحيح أنه حق وصواب (رضا، 12/85).

وكان الأولى به (عليه السلام) ألا يسأل هذا السؤال بعد هذا الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنهُم﴾ [المؤمنون:27]، فقد علم نوح (عليه السلام) أنه ما دام قد أغرق ولده فهو ليس من اهله، وإلا فإن الله لا يخلف وعده، وكان عليه أن يعلم أن أهله هم المؤمنون بعد أن تبين له نجاة المؤمنين (نصير، ص 201).

إنَّ عذر سيدنا نوح (عليه السلام) أنه اندفع إلى هذا السؤال بدافع الشفقة وعاطفة الأبوة، فأراد الله عزَّ وجل أن يعلمه درساً في الموالاة، وأنها لا تكون إلا للمؤمنين، ولا موالاة للكافرين، وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:46]، إني أعظك خشية أن تكون من الجاهلين بحقيقة الوشائج والروابط، أو حقيقة وعد الله وتأويله، فوعد الله قد أول وتحقق ونجا من أهلك الذين هم أهلك على التحقيق (سيد قطب، 4/1880).

وهذا هو الأنسب بالأنبياء عليهم السلام، وفي ذلك يقول الإمام ابن حزم: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن نوحاً (عليه السلام) تأول وعد الله تعالى أن يخلصه وأهله، فظن أن ابنه من أهله على ظاهر القرابة، وهذا لو فعله أحدٌ لكان مأجوراً، ولم يسأل نوح تخليص من أيقن أنه ليس من أهله فتفرع عن ذلك نهي أن يكون من الجاهلين، فتندم (عليه السلام) من ذلك ونزع، وليس هاهنا عمد للمعصية البتة والله أعلم (ابن حزم الأندلسي، 4/6).

وأما عن استغفار نوح (عليه السلام)، وطلبه الرحمة من الله تعالى، فإن ذلك لشعوره بعظم قدر الله تعالى وعلو مقامه الكريم وأنه قد خالف الأولى والأفضل، (البغدادي، ص 202) وهو عدم السؤال، فعد ذلك خطأ منه، فسارع إلى الله تعالى بالاستغفار، والذي يدل على أنه (عليه السلام) لم يرتكب ذنباً أنه جاء على لسان قوله: "رب اغفر لي"، ولم يقل: "تبت إليك"، وذلك للمبالغة في تأكيد أسفه وندمه على هذا السؤال الذي بدر منه (نصير، ص 202).

إنَّ في استغفار نوح (عليه السلام) وطلبه الرحمة من الله لفتاً للأنظار إلى ما كان عليه نوح (عليه السلام) من العبودية والتذلل لله تعالى، وأنه بلغ منتهاه في ذلك، إذ لمجرد مخالفته للأولى ارتعش فؤاده ووجل قلبه خوفاً من أن يكون بذلك قد أغضب المولى جل وعلا، فسارع يتذلل ويخضع منادياً: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: 28]، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:47].

كما ألمس من تكرار هذا الطلب، وإلحاحه (عليه السلام) في قبوله اعتذاره أنه إذا كان هذا هو حال نبي الله الذي اصطفاه الله تعالى لرسالته، فالأجدر بأهل الذنوب والمعاصي المسارعة واللجوء إلى الله تعالى والإلحاح عليه في الطلب لما يقع منهم من أخطاء مقصودة وغير مقصودة، كي يظفروا بقبول توبتهم وعفو الله عنهم.

وألمح في توبة نوح استعماله للفظ الربّ، وقوله عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ﴾ [هود:47]، وبدأ اعتذاره بالاستعاذة بالله مبالغة في التوبة وإظهاراً للرغبة فيها، وتبركاً بذكر ما لقنه الله تعالى وهذا أبلغ من أن يقول: أتوب إليك أن أسألك، لما فيه من الدلالة على كون ذلك الأمر هائلاً محذوراً لا محيص منه إلا بالاستجارة بالله تعالى، ثم ختم اعتذاره برجائه لله أن يقبل هذا الاعتذار والأسف، وإلا سيكون من الذين خسروا أعمالهم ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:47] (السعدي، ص 73).

دعا نوح (عليه السلام) الله عزَّ وجل وسأله المغفرة والرحمة، ومن أسماء الله الحسنى الغفور الرحيم، ولها آثارها على الأفراد والأمم والشعوب والأكوان والمخلوقات:

أ- "وإلا تغفر لي": طلب نوح (عليه السلام) المغفرة من الغفار سبحانه وتعالى: الساتر لذنوب عباده والمسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته، ومعنى الستر في هذا: أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه، ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تشهره في عيونهم (الشمراني، ص 139).

والله سبحانه وتعالى من أسمائه الغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب (السعدي، ص 73). ومن آثار الإيمان بأسمائه سبحانه: الغفور، الغفار، غافر الذنب:

- محبة الله عز وجل وحمده وشكره على رحمته لعباده، وغفرانه لذنوبهم، وهذا الأثر يثمر في قلب المؤمن توقي معاصي الله تعالى قدر الطاقة، وإذا زلت القدم ووقع المؤمن في الذنب، فإنه يتذكر اسمه سبحانه وتعالى الغفور الغفار، فيسري الرجاء في قلبه ويقطع الطريق على اليأس من رحمة الله تعالى ويحسن الظن بربه الذي يغفر الذنوب جميعاً (الجليل، ص 570).

- سؤال الله عز وجل بهذا الاسم الكريم مغفرة الذنوب ووقاية شرها؛ لأنه وحده الذي يملك غفران الذنوب ولا يملك ذلك أحد سواه، وما أكثر الأحاديث التي تحث على أفضيلة الاستغفار، وما أكثر الأدعية النبوية التي فيها الاستغفار، ومن أشهرها سيد الاستغفار المذكور والذي منه: ... وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (صحيح البخاري، رقم: 531).

ولما سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه الرسول ﷺ دعاء يدعو به في صلاته قال: ﴿اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم﴾ (صحيح مسلم، رقم: 6839. صحيح البخاري، رقم: 790).

إن نوحاً (عليه السلام) كان من المستغفرين والتائبين إلى الله، وعلم أتباعه كيفية الاستغفار الذي يجعل من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقه الله لزام ذلك من حيث لا يحتسب.

ب- "وترحمني ": طلب نوح (عليه السلام) الرحمة من الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى، وآثار رحمة الله عزَّ وجل قد وسعت كل شيء، فكما أن علم الله عزَّ وجل قد وسع كل شيء ولم يخف عليه أي شيء، فكذلك رحمته سبحانه قد بلغت كل شيء بلَغهُ علمُه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:156]، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين:﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:7]، فقد عرف نوح (عليه السلام) كيفية استمطار رحمة الله عليه بدعائه وانكساره بين يدي مولاه، فهو (عليه السلام) من آثار رحمة الله على خلقه، ورحم الله به البشرية وحفظ ذريتهم في الفلك المشحون.

ومن أعظم آثار رحمة الله سبحانه إرساله الرسل، وإنزاله الكتب هداية للناس، وإخراجاً لهم من الظلمات إلى النور، فالرسل رحمة من عند الله عز وجل لعباده؛ لتعريفهم بربهم سبحانه، وأسمائه، وصفاته، وكيفية عبادته لينقلهم برحمته من الجهالة إلى العلم، ومن الغيِّ إلى الرشد، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن النار إلى الجنة، فسبحان الله أرحم الراحمين (الجليل، ص 133).

ومن أعطى اسم الرحمن حقّه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، ولكن المحجوبين إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمراً وراء ذلك (الجليل، ص 134).

وقد تجلت رحمة الله عزَّ وجل في رحمته الخاصة بنوح (عليه السلام) بتوفيقه وتسديده، وحفظه وتيسير أموره، وإجابة دعائه ونصره على أعدائه الكافرين وتمكينه في الأرض، وإغاثته وكشف الكروب عنه، وتسهيل أموره لقيادة الحضارة الإنسانية الثانية، حضارة السلام والبركات (الجليل، ص 139).

المصادر والمراجع:

1. الرازي، فخر الدين محمد بن عمر. عصمة الأنبياء.

2. نصير، آمال بنت صالح. التوبة في ضوء القرآن الكريم، دار الأندلس الخضراء، السعودية، ط1 1998م.

3. رضا، محمد رشيد. تفسير المنار، القاهرة، 1975م.

4. سيد قطب. في ظلال القرآن، الطبعة الشرعية الثامنة والعشرون، 1430ه- 2009م، 4/1880.

5. ابن حزم الأندلسي. الفصل بين الملل والأهواء والنحل، دار الجيل، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1996م، ابن حزم.

6. البغدادي، علاء الدين بن محمد. تفسير الخازن المسمى (لباب التأويل في معاني التنزيل)، دار الكتب العلمية، بيروت.

7. الشمراني، عبدالهادي. الدروس المستفادة من العقوبات الإلهية في القرآن الكريم قبل الرسالة المحمدية، دار ابن الجوزي، 2006.

8. الخطابي، أبو سليمان. تفسير الأسماء والصفات.

9. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. الحق الواضح المبين، مطبوع ضمن الكاملة في مؤلفات الشيخ السعدي، جزء العقيدة الإسلامية، مركز صالح بن صالح.

10. الجليل، عبدالعزيز بن ناصر. ولله الأسماء الحسنى.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022