الفضيل بن عياض.. رجلٌ باع الدنيا وربح الآخرة
كان الفُضَيل بن عِيَاض (رحمه الله) رجلاً عالماً عابداً تقياً زاهداً، شديد الزُهد في الدنيا وزخارفها، وقد اشتُهر بذلك كثيراً، ونُقلت عنه العديد من القصص والروايات والأقوال في الزهد والورع والإعراض عن متاع الحياة الدنيا وملذاتها، وذمّ الحرص عليها والسعي وراءها، وقد كان مُنشغلاً طول حياته بالعبادة والعلم والدعوة إلى الله، وقد حدد مفهوم الزهد في الدنيا بأنه القناعة وعدم المبالاة بما فيها من مغريات، فقال: "لا يَسْلمُ قلبك حتَّى لا تُبالي من كلِّ الدنيا".
وكان يرى أن الإيمان لا يكتمل حتى يزهد المرء في الدنيا، بمعنى أن يقنع بما رزقه الله إياه، ويحمده على ذلك دون تطلعٍ إلى ما عند الآخرين من نعمٍ وأموال، وكان يعيب على العلماء التردد على أبواب السلاطين والحُكام ويوبخهم على ذلك، لما فيه من إذلالٍ للنفس، وإهانةٍ للعلم، وتملقٍ ومحاباةٍ، وعدم جرأةٍ على قول الحق دون خشيةٍ من أحد.
ومما يُروى في زهد الفضيل (رحمه الله)؛ أنه دخل مرةً على هارون الرشيد مع مجموعة من العلماء، ولم يكن الفضيل يعرف هارون، فسألهم: "أيُّ واحدٍ أميرُ المؤمنين؟" فأشاروا إلى هارون، فقال له الفضيل: "أنت الذي تَقلَّدتَ أمر هذه الرعية في عنقك؟ لقد تَقلَّدتَ أمراً عظيماً"، ووعظه موعظةً بليغةً، فبكى هارون بسبب تأثره بكلام الفضيل، ثم وضع هارون كيساً من المال أمام كلِّ واحدٍ من الحاضرين، فأخذوها جميعاً إلا الفضيل، رفض أخذ المال وترَكه في مكانه، فقال له سفيان بن عُيينة مُعاتباً وكان حاضراً معه: لو أنك أخذت المال يا أبا علي فأنفقته على الفقراء والمحتاجين، فقال له الفضيل مُؤنباً: أنت تقول هذا الكلام يا أبا محمد وأنت فقيه البلد؟ "والله لو طابت لأولئك لطابت لي".
وكان الفضيل بن عياض (رحمه الله)؛ أنه كان إذا ذُكر الله -تعالى- أصابته حالةٌ من الخوف والحزن الشديدين، وبدأت الدموع تهطل من عينيه، وكان إذا ذهب إلى جنازةٍ، بدأ بوعظ الناس وتذكيرهم بالآخرة وتخويفهم من عذاب الله، والبكاء الشديد، ثم كان يجلس بين القبور والحزن يطغى عليه وهو يبكي بصمت، وكان يقول: "لو خُيّرت بين أن أُبعثَ فأدخلَ الجنة وبين أن لا أُبعث لاخترتُ أن لا أُبعث".
المصدر:
• ابن هبة الله، المجموع اللفيف، صفحة 245.
• أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، صفحة 84.