الأربعاء

1447-10-27

|

2026-4-15

الإسلام دين الفطرة

بقلم: د. علي محمد الصلابي

من الخصائص التي تمتازُ بها الرسالة المحمدية أنّ الإسلامَ دينُ الفطرةِ ، فهو بنُظُمه ومبادئه وأساليبه في التربية والتهذيب يمثّل أسلمَ سبيل للوصول إلى الإنسان المهذّب السليم ، ذلك بأنّه قبل كلِّ شيءٍ يعترفُ بهذه الفطرة كحقيقةٍ ماثلةٍ في تركيب الإنسان ، ويضعُ لها من التشريع والصيانة والاهتمام ما يجعلها تسيرُ في مسارها الصحيح بغير عوج أو التواء ، فالإنسانُ بفطرته يبغضُ عدوّه ، ويرغب في صدّه ودفع أذاه ، وضربه في معقله إن تجاوزَ واعتسفَ أو اعتدى على العقيدة أو النفس أو المال أو العرض ، وفي صدّ العدوان ما يرضي الفطرة ، يقول القرآن: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة : 194].

ويقول تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ *﴾

[الشورى: 40].

وفي ذلك إرضاء للنفس كي لا تعاني من الكبت والضغينة إلاّ إذا عفا المرءُ، وأسقط حقّه عن طيبِ خاطرٍ، والقرآن يمدحُ القصاصَ، لأنّه سبيلٌ لصدِّ الشرّ وصون الأرواح، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]. (عقيدة التوحيد، صالح الفوزان، ص (254))

والإنسانُ بفطرته يحبُّ التملك ، وينزع إلى الاستقلال الشخصي ، فأباح له الإسلامُ الملكية بالوسائل المشروعة، ليتيح للحوافز الفردية أن تعملَ ، ولا يكبتها كما تصنع الشيوعية ، ولكنّه يضع الضوابطَ التي تمنعُ الظلم ، وتمنع الفسادَ، فيحرّم الربا والاحتكار ، والغصب والسلب والنهب والسرقة والغش كطرق للتملك أو لتنمية المال ، ثم يفرضُ الزكاةَ التي تحدّ من التضخم ، وتشركُ الفقراءَ في أموال الأغنياء ، ويوجِبُ الإنفاق في سبيل الله ، ويحرّم الكنز ، ويحرّم الترفَ والمخيلةَ بالمال ، وهذه كلُّها ضوابط تمنع ما يحدثُ في الغرب الرأسمالي من فسادٍ خلقي ، وظلم اجتماعي ، وسياسي ، واقتصادي ، وهكذا لو تتبعت جميع مجالات الحياة تجد التوافق الكامل ، بين هذا الدِّين وبين الفطرة البشرية ، كما تجدُ التوجيهات التي تمنع الانحراف أو تعالجه عند حدوثه ، فتظلّ الفِطَرُ أقربَ ما يكونُ إلى السلامة والحياة ، وأقربَ إلى الاستقرار، قال تعالى: ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم : 30]. (ركائز الإيمان، محمد قطب ص (356))

إنّ في الفطرة البشرية كما خلقها الله مجموعةً من الدوافع، أودعها الله في الفطرةِ لتعينَ الإنسانَ على القيام بما كُلّف به من أمر الخلافة في الأرض، كدافع الطعام، والشراب، والملبس، والمسكن، والجنس، والتملك، وإثبات الذات.. إلخ، ولكنّ هذه الدوافع مع ضرورتها لعمارة الأرض خطيرةٌ على الكيان البشري إذا تُركت بلا ضابط يضبطها، فعندئذٍ تتحوّل إلى شهواتٍ جامحةٍ لا يملكُ الإنسانُ نفسَه من سلطانها ، والنظام الأمثل هو الذي يسمحُ لهذه الدوافع بالقدر المعقول من الحركة ، فلا يعطّلها ولا يكبتها ، وفي الوقت ذاته يضبطها ، فلا تتحوّل إلى شهوات ، فيأخذ الإنسان نصيبه من المتاع الطيب ، وينضبط سلوكُه في الوقت ذاته في الحدود التي تعود عليه بالعطب والدمار ، وذلك بالضبط هو ما صنعه الإسلام، فيتيحُ للدوافع كلها أن تعمل، لا يستقذر شيئاً منها ولا يستنكره، وفي الوقت ذاته يعمل على تهذيب هذه الدوافع ، والارتفاع بها إلى أقصى ما يملك الإنسان من رفعةٍ في حدود كيانه البشري ، فلا تصبحُ شهواتٍ جامحةً ، وإنّما رغبات منضبطة بالحدود التي شرعها الله بعلمه وحكمته ، وقال عنها: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة : 187]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]، لذلك لا يقرّ الإسلامُ الرهبانية، لأنّها تعطل دوافعَ الفطرة وتكبِتُها. (الإيمان بالرسل، د. علي الصلابي، ص267)

ذهب ثلاثةُ رهطٍ إلى بيتٍ من بيوتِ رسول الله (ﷺ)، فسألوا عن عبادته (ﷺ)، ولمّا أُخبروا كأنّهم تقالّوها، فقال أحدُهم: أمّا أنا فأصومُ الدهرَ ولا أفطرُ، وقال الاخر، وأمّا أنا فأقومُ الليلَ ولا أنام، وقال الثالث: أمّا أنا فلا أتزوجُ النساءَ، فلمّا سمع بهم رسول الله (ﷺ) قال لهم: «أمّا واللهِ إنّي لأخشاكم للهِ، وأتقاكم له، ولكنِّي أصومُ وأفطِرُ، وأصلِّي وأرقدُ، وأتزوّجُ النساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي». (مسلم رقم (1402))

كذلك لا يقرّ الإسلامُ الانفلاتَ من الشهواتِ الجامحةِ كما تصنعُ الجاهليةُ المعاصرة بصفة خاصة، فتفسد الفطرةَ، وتفسد الأخلاقَ، وتنحطُّ بالإنسانِ إلى دركِ الحيوان. (ركائز الإيمان، مرجع سابق، ص (355))

المراجع:

• الإيمان بالرسل والرسالات، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، 1445هـ - 2023م.

• عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها من الشرك الأكبر والأصغر والتعطيل والبدع وغير ذلك، صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان.

• ركائز الإيمان، محمد قطب، دار الشروق – القاهرة، ط1، 1422هـ - 2001.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022