الإثنين

1448-03-25

|

2026-9-7

الصدق واليقين والثبات وأثرها في تحقيق القوة الدعوية ومواجهة الانحراف

بقلم: د. علي محمد الصلابي

جمع الله تعالى له بين الصدّيقيّة والنبوّة، فالصدّيق كثير الصدق؛ فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله، المصدّق بكل ما أمر بالتصدّيق به وذلك يستلزم العلم العظيم، الواصل إلى القلب، المؤثر فيه الموجب لليقين والعمل الصالح الكامل، وإبراهيم - عليه السّلام - هو أفضل الأنبياء كلّهم بعد محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو الأب الثالث للطوائف الفاضلة، وهو الذي جعل الله في ذريته النبوّة والكتاب، وهو الذي دعا الخلق إلى الله تعالى، وصبر على ما ناله من العذاب العظيم، فدعا القريب والبعيد واجتهد في دعوة أبيه مهما أمكنه. (تفسير السعدي، ص1000)

وإنّ الله عزّ وجل وصف إبراهيم - عليه السّلام – بالصّدّيق، وهذا قبل الوحي وتأمل كيف وصف الله إبراهيم - عليه السّلام - بالصّدّق قبل أن يصفه بالنبوة؛ ليرينا قيمة الصّدّق، وأنه من الدعائم التي تقوم عليها النبوة. (اليهود في القرآن، عفيف طبارة، ص131)

إنّ كل نبيّ صدّيق، وليس كل صدّيق نبياً، فالصدّيق دُوين النبي وبُعيده في الدرجة، والصدّيق قبيل الشهيد وفويقه في الدرجة، وفي القرآن الكريم وردت كلمة الصّدّيق ثلاث مرات: مرتين في سورة مريم إخبار من الله تعالى لاثنين من أنبيائه هما: إبراهيم وإدريس عليهما السلام، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} ]مريم:41[، وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} ]مريم:56[، والمرة الثالثة جاءت وصفاً ليوسف - عليه السّلام - من الذي نجا من السجن، وجاء يسأله تأويل الرؤيا، قال تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} ]يوسف:46[.

والصّدِّيقة مُؤنث الصدّيق، وقد وردت هذه الصفة في القرآن الكريم مرّة واحدة في السيدة مريم أم المسيح عيسى عليهما السلام، قال تعالى في سورة المائدة: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}] المائدة:75[أي مصدقّة للأنبياء مؤمنة بهم، قال تعالى في سورة التحريم: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ}] التحريم:12[.

والصّدّيقون: جمع الصّدِّيق، وقد جاءت مرتين في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}] النساء:69[، وفي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}] الحديد:19[. (من لطائف التعبير القرآني، محمد فؤاد سندي، ص110)

إنَّ إبراهيم - عليه السّلام - كان صادقاً مع قومه قبل النبوة، كما كان أميناً صادقاً في تبليغ الرسالة وفي استسلامه وانقياده لأوامر ربه. (قصة إبراهيم في القرآن الكريم، إسحاق البدارين، ص28)

ويعني وصف إبراهيم - عليه السّلام - بالصدّيقية والنبوّة قبل الحوار له أكثر من دلالة منها:

• الدلالة الأولى:

إبراهيم - عليه السّلام - كان جامعاً خصائص الصدّيقين والأنبياء حينما خاطب أباه تلك المخاطبات، وهذا يعني أنَّ إبراهيم - عليه السّلام - أصبح رسولاً قبل أن يحاور أباه وقومه والملك؛ لأنَّ هدف الحوار تبليغ دعوة الله كما أمره بالتمام والكمال، ولهذا أثنى الله على إبراهيم عليه السّلام، قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} ]النجم:37[، وقال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} ]الأنعام:83[، وجاءت معجزة إبراهيم نجاته من النار دليلاً على صدقه أنه مرسل من الله تعالى لقومه كما قال سبحانه وتعالى: {فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ} ]العنكبوت:24[، وقال تعالى: { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)} ]الأنبياء:69-70[. (دعوة الرسل إلى الله، محمد العدوي، ص50.)

• الدلالة الثانية:

وصف إبراهيم - عليه السّلام - بالصدِّيقية قبل وصفه بالنبوة يُشير إلى أن الصدّق صفة أساسية، لكلِّ نبيّ ورسول، وهذا يعني أنه يستحيل على النبيّ أن يكون كاذباً، ولهذا كان سيدنا محمد - صلّى الله عليه وسلّم - يلقب بالصادق الأمين قبل النبوة، وكذلك كل نبيّ ورسول، ويعدُّ خلق الصدق أصلاً من أصول الأخلاق الإسلامية، إذا وجد وُجدت معه بقية الأخلاق الطيبة بدليل أن إبراهيم - عليه السّلام - وصفه الله بالصدّيقية، فجمع من الصفات الطيبة الكثيرة ما يجتمع في أمة ولهذا أثنى الله عليه، فقال عزّ وجل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}، وعلى هذا يمكن القول إنَّ الصّفات تزداد في الإنسان بمقدار ما عنده من صدّق. (قصة إبراهيم في القرآن الكريم، مرجع سابق، ص28)

إنَّ الصّديق هو الذي بلغ الغاية في تصدّيق الحقّ، فيورثه الله شفافية وإشراقاً بحيث يهتدي إلى الحقّ، ويميزه عن الباطل، من أول نظرة في الأمر دون بحث وتدقيق في المسألة؛ لأنَّ الله تعالى يهبُك النّور الذي يُبدد عنك غيامات الشكّ ويهبُك الميزان الدقيق الذي تزن به الأشياء كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ]الأنفال:29[.

ومن هنا سُمّي أبو بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - صدّيقاً، ليس لأنّه صادقٌ في ذاته فقط؛ بل لأنّه يصدق كل ما جاءه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ ولقد وصف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سيدنا أبا بكر بالصّدّيقيّة، ولقد كان سيدنا أبو بكر صادقاً لا يكذب، وكان يسارع إلى تصدّيق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كل ما يخبر له، وكان يسارع إلى العمل بما تقتضيه الأخبار إن كانت تقتضي عملاً، وكان وصف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لسيدنا أبي بكر بالصّدّيقيّة في مكة قبل الهجرة بمناسبة حادثة معينة هي حادثة الإسراء. (تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، (15/9092))

فلما أخبروا أبا بكر خبر الإسراء والمعراج الذي كذّب به كثيرون، ماذا قال؟ قال: أوَقال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك، لقد صدق، قالوا أتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إنّي لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، وأصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سُمّي أبو بكر: الصدّيق. (المستدرك على الصحيحين، النيسابوري، (3/62))

إنَّ الأمر عنده متوقف على مجرد قول رسول الله، فهذا هو الميزان عنده، وطالما أن رسول الله قد قال، فهو صادق، هكذا دون جدال ودون نقاش، ودون بحث في ملابسات هذه المسألة، لذلك من يومها وهو الرجل الصدّيق عن جدارة.

لقد كان خليل الله إبراهيم - عليه السّلام - "صدّيقاً"، وكان أيضاً "نبياً"؛ لأنَّ الإنسان قد يكون صدِّيقاً يعطيه الله شفافية خاصة، وليس من الضروري أن يكون نبيّاً، كما كانت مريم صدّيقة وأبو بكر صدّيقاً، فهذه إذاً صفة ذاتية إشراقية من الله، أما النبوّة فهي عطاء وتشريع يأتي من أعلى، وهدى يأتي من الله بحمل النبيّ مسؤوليته.

إنّ مظاهر الصدّيقيّة في حياة إبراهيم - عليه السّلام – كثيرة، منها امتثاله لأمر الله في مجابهة قومه بأن دينهم باطل، وأن عبادتهم فاسدة، وأن آلهتهم مزيفة، فقد كانوا يعبدون الأصنام، وكانوا يعبدون أحجاراً ينحتونها بأيديهم ثم يسجدون لها، وبدوره اتّجه إبراهيم - عليه السّلام - أول ما اتّجه إلى أبيه، وكان حريصاً على هدايته محبّاً لصلاحه. (إبراهيم خليل الله، د. علي الصلابي، ص206 -207)

المراجع:

• إبراهيم خليل الله (عليه السلام) داعية التوحيد ودين الإسلام والأسوة الحسنة، د. عالي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 1448هـ - 2026م.

• تفسير السعدي "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية، ط4، 1435ه (1/659).

• اليهود في القرآن، عفيف عبد الفتاح طبارة، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط 13، 2001م، ص131

• دعوة الرسل إلى الله، محمد أحمد العدوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1997م، ص50.

• من لطائف التعبير القرآني حول سير الأنبياء والمرسلين (آدم ونوح وإبراهيم)، محمد فؤاد سندي، ​مكتبة الملك فهد الوطنية، السعودية، ط1، 2002م.

• قصة إبراهيم في القرآن الكريم، إسحاق محمد حمدان البدارين، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية، عمان، 1992م.

• تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، دار أخبار اليوم، القاهرة، 2013م.

• المستدرك على الصحيحين، الإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411ه، 1990م.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022