السبت

1447-10-09

|

2026-3-28

حضور القرآن والحديث في تشكّل السياسة التعليمية الأيوبية

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

كانت عناية صلاح الدين الأيوبي، والسَّلاطين الذين جاؤوا بعده للتمكين لمذهب أهل السنة في البلاد التي حكموها عنايةً شاملةً، ومكثَّفةً في المدن التابعة لهم، كالقاهرة، والإسكندرية، ودمشق، وحلب، وغيرها. ومن أهم عناصر الثقافة السنية التي اهتمَّ بها الأيوبيُّون:

1 ـ القرآن الكريم:

اهتمَّ الأيوبيُّون يتلقين القران الكريم للصغار، وتحفيظهم إيَّاه في البلاد التابعة لهم، فابن جبير يذكر: أنَّ صلاح الدين أمر بعمارة أماكن متعدِّدة في مصر، ورتَّب فيها معلَّمين للقران الكريم، يعلِّمون أبناء الفقراء، والأيتام خاصَّةً، وتجرى عليهم الجراية الكافية لهم (رحلة ابن جبير، ابن جبير الأندلسي، ص25). ويصور القاضي بهاء الدين بن شدَّاد مدى عناية صلاح الدين بالقران، فيذكر: أنه مرَّ يوماً على طفل صغير يقرأ القران، فاستحسن قراءته، فقرَّ به إليه، وجعل له حظاً من خاصِّ طعامه، ووقف عليه، وعلى أبيه جزءاً من مزرعةٍ. وكان يشترط في إمامه، أن يكون عالماً بعلوم القران، متقناً لحفظه. وقد مرَّ بنا: أنَّ القاضي الفاضل جعل إلى جانب مدرسته في القاهرة كُتَّاباً وقفه على تعليم الأيتام القران الكريم ، وأنَّه خصَّص إحدى قاعات هذه المدرسة لإقراء القران، وتدريس علم القراءات ، وعندما زار ابن جبير دمشق وجد الجامع الأموي لا يخلو من تلاوة القران الكريم لا صباحاً، ولا مساءً، ولهؤلاء القراء إجراء يومي يعيش منه أكثر من خمسمئة إنسان ، وعند فراغ القراء من التلاوة الصباحية يجلس أمام كلٍّ منهم صبيٌّ يلقنه القران الكريم، وللصبيان على قراءتهم جرايةٌ معلومة أيضاً ، تصل إليهم عدا أبناء ذوي اليسار ، فإنَّ اباءهم ينزهونهم عن أخذها. كما رأى ابن جبير مكاناً بدمشق، يتعلَّم فيه الصبيان القران الكريم، وعليه وَقْفٌ كبير يأخذ منه المعلمون ما يفي بحاجات الصبيان، وكسوتهم، وينفقونه عليهم، وكان علم القراءات يدرس بدار الحديث الأشرفية بدمشق، وبالمدرسة القاهرية بحلب. (التاريخ السياسي، د. عبد المجيد بدوي، ص243)

2 ـ الحديث الشريف:

واهتمَّ الأيوبيون بالحديث الشريف اهتماماً عظيماً ، وكان هذا الاهتمام تلبيةً لحاجتين ملحَّتين واجههما المجتمع الإسلامي في مصر ، والشام ، وإحداهما عامَّة ، والأخرى خاصَّة ببعض البيئات ، أما العامة؛ فهي: أنَّ المسلمين كانوا يواجهون عدواً يتربَّص بهم الدوائر ، ويعبث بمقدساتهم ، وكان الاهتمام بتحريض المؤمنين على قتالهم يتطلب عنايةً كبيرةً بالحديث الشريف ، وخاصَّةً ، ما يتعلَّق منه بهذا الباب ، لذا وجدنا صلاح الدين شغوفاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يردِّده ، ويسمعه ، بل ويسعى لسماعه ، ويشجِّع على التأليف فيه ، ويذكر

العماد الأصفهاني: أنَّه تردَّد معه أثناء زيارته للإسكندرية في عام 572هـ/1176م على الحافظ السلفي ، وسمعوا منه الحديث الشريف، كما سمع هو ، وأولاده موطَّأ مالك من فقيه الإسكندرية: ابن عوف الزُّهري ، وذلك في عام 577هـ/1181م (طبقات الشافعية للسبكي، (4/226)). ويصف بهاء الدين بن شدَّاد صلاح الدين: بأنه كان شديد الرغبة في سماع الحديث، وأنه كان يسعى إلى علمائه إذا كانوا ممَّن ينزهون أنفسهم عن حضور مجالس الحكام، ويستطرد ابن شداد قائلاً: إنه كان يحبُّ أن يقرأ الحديث بنفسه، ويستحضرني في خلوته، ويحضر بعضاً من كتب الحديث، ويقرؤها.

وكان الرَّجل إذا أراد أن يتقرَّب إليه حثَّه على الجهاد، أو ذكر له شيئاً من أخباره. يقول ابن شداد: ولقد ألِّفَ له كتبٌ عدَّة في الجهاد، وأنا مِمَّن جمع له فيه كتاباً، جمعت فيه آدابه، وكلَّ ايةٍ وردت فيه، وكلَّ حديثٍ في فضله، وكان ـ رحمه الله ـ كثيراً ما يطالعه حتى أخذه منه ولده الأفضل. ولم تكن العناية بالحديث مما اختصَّ به صلاح الدين، بل إنَّ كثيراً من أمراء الأيوبيين سعى إلى سماع الحديث، وروايته، ومنهم: تقي الدِّين عمر؛ الذي سمع من السلفي بالإسكندرية (المواعظ والاعتبار، تقي الدين المقريزي، (2/265))، والملك الكامل؛ الذي نهج سبيل نور الدين، وأنشأ بمصر أوَّل دارٍ للحديث الشريف. ووصفه السيوطي بأنَّه كان معظماً للسنة، وأهلها، وأنَّه سمع من السلفي، وأجازه. كما وصفه سبط ابن الجوزي بأنه كان يتكلَّم في صحيح مسلم بكلامٍ مليح. أما الأشرف بن العادل؛ فقد سمع صحيح البخاري في دار الحديث الأشرفية؛ التي أنشأها بدمشق.

هذه الجهود التي نهض بها الأيوبيون للعناية بالحديث كانت استجابة لحاجةٍ عامة تتعلَّق بمتطلَّبات الجهاد في سبيل الله، والحض عليه، ورفع إمكانات المسلمين عن طريق تربيتهم، وتثقيفهم بعنصر هام من عناصر الثقافة السنية. (صلاح الدين الأيوبي، د. علي الصلابي، ص263)

وأما الحاجة الخاصة التي تطلب مزيداً من الحفاوة بالحديث الشريف، فكانت، تتعلَّق بالبيئات التي ساد فيها النفوذ الشيعي فترةً من الزَّمن، ذلك: أن الشيعة لا يصحِّحون من الأحاديث إلا ما رواه أهل البيت فقط، وما ينسبونه إلى أهل البيت لا يخلو من الوضع، والأكاذيب، كروايات زرارة، وجابر الجعفي، وغيرهم من الكذبة، ويطعنون فيما سواه، ويتَّخذون من ذلك وسيلةً إلى الطعن في رواتها، ولذا كانت العناية بالحديث الشريف في مصر إحياءً لهذا الجانب من جوانب الثقافة السنية. (التاريخ السياسي، مرجع سابق، ص246)

المراجع:

▪ صلاح الدين الأيوبي "وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس"، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير – دمشق، ط1، 1430هـ - 2009م.

▪ التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي من القرن الخامس الهجري حتى سقوط بغداد، د. عبد المجيد أبو الفتوح بدوي، الطبعة الثانية 1408هـ - 1998م.

▪ طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، ١٤١٣هـ.

▪ المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي – لندن، ط1، ١٤٢٢هـ - ٢٠٠٢م.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022