السبت

1447-10-09

|

2026-3-28

إلياس عليه السلام .. نسبه ومكان مولده

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

ذكر الطبري رحمه الله: أنه إلياس بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران (الطبري، 1/440)، وهناك من قال أنه إلياس النشبي بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، وعلّق عليه ابن كثير وقال فيه نظر (النجار، ص 438). وقيل إنه من سبط يوشع، وهو قول القُتبيُّ فيما حكاه عنه ابن عساكر (السيوطي، 2/369)، والقرطبي (القرطبي، 7/32).

ولكن عطاء بن أبي رباح لم يجزم بسلسلة النسب المذكورة وإنما يرى أنه: ذرية إبراهيم عليه السلام. بدون الإشارة هل هو من بني إسرائيل أو من بني إسماعيل، وخالفهم الضحاك، فهو يقول بأنه من ذرية إسماعيل عليه السلام (الزومي، ص 37).

وأما الآيات القرآنية فلا تدلّنا إلا على شيءٍ واحد وأصل عام لكل البشرية، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: 84]. قال الواحدي رحمه الله: والعلماء بالنسب يقولون الكناية تعود إلى نوح، لأنه ذكر في جملة من عدّ من هذه الذرية يونسَ ولوطاً، ولا شكّ أنهما لم يكونا من ذرية إبراهيم (الواحدي، 2/294).

وهذا هو ما دلت عليه الآية، فنخلص من ذلك إلى أن من نَسَبه إلى بني إسرائيل فليس له مستمسك لا من رواية صحيحة ولا نقل عن أهل الكتاب. وتكاد تتفق كل الروايات والاجتهادات عند المفسرين على أنه كان من أنبياء بني إسرائيل، على خلاف بينهم في ترتيبه بين الأنبياء (الزومي، ص 37).

ورجح الدكتور صلاح الخالدي رحمه الله أنه من أنبياء بني إسرائيل مثل: ذي الكفل واليسع وإدريس ويونس وأيوب عليهم الصلاة والسلام (الخالدي، 4/98). وقال الرازي رحمه الله: وأما أكثر المفسّرين فهم متفقون على أنه نبّيٌ من أنبياء بني إسرائيل (الرازي، 26/353). وقال البقاعي رحمه الله: كان أحد بني إسرائيل عند جميع المفسرين إلا ابن مسعود وعكرمة (البقاعي، 16/283). كما أن الرواية المشهورة عن وهب بن منبه أنه قال: كان القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوفنا ثم حزقيل، ثم لما قَبض الله حزقيل النبي عَظُمت الأحداث في بني إسرائيل ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دونه، فبعث الله إليهم إلياس نبياً (الجوزي، 7/81).

وهو ما اضطر جماعةً من المفسرين بأن يلزموا أنفسهم بوجود سبطٍ من أسباط بني إسرائيل كانوا قد استوطنوا في "بعلبك"، وعلى المشهور من الروايات الإسرائيلية أن الذي أسكنهم هو يوشع بن نون عليه السلام حينما فتح الشام، وكان من ضمنها المدينة المعروفة اليوم ببعلبك (الزومي، ص 38)، قسمها لبني إسرائيل وأحلّ سبطاً منها ببعلبك، وهم السبط الذين كان منهم إلياس (البقاعي، 16/283).

وبعكس الشائع في أوساط المفسرين الذين تلقوا هذه الروايات بالقبول، يميل الباحث الدكتور حسين بن علي الزّومي صاحب أفضل كتاب كُتب عن نبي الله إلياس، وهو كتاب "إلياس نبّي الفينيقيين": على حسب علمي واطلاعي بأن إلياس عليه السلام لم يكن من بني إسرائيل قط، وأن الصحيح أنه كان من قومه القاطنين بمدينة بعلبك (الزومي، ص 39).

و "إلياس" هو لفظٌ عربي قديم، ولفظة "إلياس" أو "الياسين" تعني آلاء الله تعالى ونعمه المستمرة الدائمة، ويعني أيضاً الانتماء الدائم المستمر وباستقامة وحتى النهاية مع الحق والانتماء للحق (حمد، ص 181)، وقال الدكتور حسين بن علي الزّومي: الصحيح في اسم "إلياس" أنه بقطع الألف واشتقاقه من قولهم: رجلٌ أليس، أي شجاع، والألْيس: الذي لا يفرُّ ولا يبرح من مكانه، وهذا المعنى موجود في اللغات الساميّة القديمة التي هي من أصول اللغة العربية (الزومي، ص 121). وهو علم على نبي الله "إلياس" الذي دعا للتوحيد وحارب الشرك، وأفرد الله بالعبادة، وقد بُعث وأرسل من الله تعالى في المنطقة العربية في عصرٍ كان يُعبد فيه وثَنٌ يقال له "بعل" في شمال البقاع من بلاد الشام، على السفوح الشرقية من جبل لبنان في مدينة بعلبك (حمد، ص 181).

مكان مولده:

لم يتطرق المؤرخون المسلمين ولا مفسّرو القرآن الكريم، إلى مكان مولد النبي إلياس عليه السلام في كتبهم، فمكان مولده ليس معروفاً على وجه التحديد، كما أنه لم يُذكر في الكتب السابقة "العهد القديم والجديد"، مع اهتمام أسفار التوراة بذكر تفاصيل أماكن مولد أنبيائهم.

وغاية ما ورد في العهد القديم تلك الإشارة بوصفه في الكتاب المقدس بــ "التّشْبيِّ"، في سبعة مواضع، نسبةً إلى تِشْبة، في بلاد جلعاد، فاسمه "إلياس" ولقبه "التِّشبيّ" (الزومي، ص 23)، وجلعاد من بلاد الكنعانيين، ويذكر المؤرخ اليهودي "يوسيفوس" فيرى بكل وضوح أنه من جلْعاد وليس غريباً عنها.

وهناك من قال أنه ولد في جبال الأردن، إلا أنّ النصارى يعتقدون أنّ مسقط رأسه كان في موقع "مار إلياس"، وهي الآن كنيسة تطل من الجهة الغربية على بَيْسان وطبريا وجبل الشيخ. كما يُعتقد أيضاً بأن قرية "يسْتب" التي تقع على بعد نصف كيلومتر إلى الغرب من موقع الكنيسة هي بالأصل منطقة "تشْبة" التي ورد ذكرها في كتاب العهد القديم، وتمثل رأس النبي إلياس عليه السلام (الزومي، ص 24-25).

وإن العهد القديم يخبر أن إلياس عليه السلام قد عاش في المملكة الشمالية زمن الملك "أخاب" في القرن التاسع قبل الميلاد، وكل ما نعرفه عن الملك أخاب خارج الكتاب المقدس، هو ذِكرُ اسمه في نقش ميشع الذي كتبه الملك الموآبي ميشع الذبياني، وهو يذكر انتصارات هذا الملك على بني إسرائيل، وكذلك ذُكر أخاب -على القراءة الأشهر- في نصب سجورح الذي يعود إلى سنة 853 ق.م، والذي يذكر الملوك الذين هزمهم الملك الآشوري شلمنصر الثالث في معركة قرقور، ومنهم أخاب (عامري، ص 341).

المصادر والمراجع:

1. الطبري، تاريخ الأمم والملوك.

2. النجار، عبدالوهاب. قصص الأنبياء.

3. السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن.

4. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.

5. الزومي، حسين علي، إلياس نبي الفينيقيين.

6. الواحدي، علي بن أحمد، التفسير الوسيط.

7. الخالدي، صلاح، القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث.

8. الرازي، مفاتيح الغيب.

9. البقاعي، برهان الدين، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور.

10. ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير.

11. الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني.

12. حمد، خالد محمد، أسماء الأنبياء.

13. عامري، سامي. الوجود التاريخي للأنبياء.

14. الصلابي، علي محمد، أنبياء الله إدريس وإلياس وذو الكفل واليسع عليهم السلام.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022