السبت

1447-10-09

|

2026-3-28

المُلهَم إدريس عليه السلام وبواكير الحضارة قبل الطوفان

بقلم: د. علي محمد الصلابي

الحلقة الثانية

تتقدّم شخصيةُ إدريس عليه السلام في الذاكرة الدينية والتاريخية بوصفها رمزاً مبكّراً للعلم والحكمة، حيث نُسبت إليه المعالم الأولى في الحضارة الإنسانية قبل الطوفان، وتتناقل المصادر رواياتٍ عن إلهامه بالعلوم والفنون وتعليم طالبي المعرفة من أقطار الأرض، إلا أن صورته تتداخل في كتب المؤرخين مع هرمس اليوناني وأخنوخ التوراتي، بل ومع أساطير مصر القديمة حول أوزوريس. فقيل أنه:

- أول من خاط الثياب:

وقيل إنّهم كانوا قبل ذلك يلبسون الجلود، ولكن لبس الجلود مستبعدٌ حين يقترن بما يشير إليه بناء الأهرام وحفظ نتائج العلوم من تقدمٍ يصعب أن يكون عليه لابسوا الجلود، ولا سيّما أن مصر القديمة قد اشتهرت منذ أن بدأ الاستقرار فيها ببضاعة القماش المصنوع من مواد بيئية نباتية كالقطن. ولعل هذا القول يعني بدء عملية صنع الثياب المعروفة، والتي تعني تفصيل النسيج وضم الأجزاء بعضها إلى بعض للحصول على قطعةٍ من الملابس بالشكل المطلوب، بعد أن كان السائد أن يُشتمل بالنسيج اشتمالاً، وتلك نقلةٌ حضارية عظيمة في هذا المجال.

تقول بعض كتب التاريخ: كان إدريس عليه السلام رائدها، ويؤيد هذا ما جاء في أخبار إدريس من أنه كان خياطاً وأنه أول من استعمل الإبرة (الكبيسي، ص 107)، ويشكل على هذا القول ويبين ضعفه قوله تعالى: ﴿ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [سورة الأعراف: 22]، أي: يخصفان على عوراتهما من أوراق شجر الجنة ليستنرا بذلك (السعدي، ص 346).

وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26]، لما أهبط الله آدم وزوجته وذريتهما إلى الأرض أخبرهما بحال إقامتهم فيها، أنه جعل لهم فيها حياةً يتلوها الموت، مشحونةً بالامتحان والابتلاء، وأنهم لا يزالون فيها يرسل إليهم رسوله وينزل عليهم كتبه حتى يأتيهم الموت فيدفنون فيها، ثم إذا استكملوا بعثهم الله وأخرجهم منها إلى الدار التي هي الدار الحقيقية، وهي دار المقامة، ثم امتنَّ عليهم بما يسر لهم من اللباس الضروري، واللباس الذي يُقصد منه الجمال، وهكذا سائر الأشياء كالطعام والشراب والمراكب ونحوها قد يسر الله للعباد ضروبها ومكمِّل ذلك، وبين لهم أن هذا ليس مقصوداّ بالذات، وإنما أنزله الله ليكون معونةً لهم على عبادته وطاعته، ولهذا قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾، من اللباس الحسّي، فإن لباس التقوى يستمر مع العبد ولا يبلى ولا يبيد، وهو جمال القلب والروح، أما اللباس الظاهري فغايته أن يستر العورة الظاهرة أو يكون جمالاً للإنسان. ﴿ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، أي: ذلك المذكور لكم من اللباس مما تذكرون به ما ينفعكم ويضركم، وتستعينون باللباس الظاهر والباطن (السعدي، ص 346). فعلاقة الإنسان باللباس قديمةٌ منذ آدم عليه السلام الذي قال الله في حقه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31].

- أول من نظر في النجوم:

وتذكر كتب التاريخ والأسفار المنسوبة إلى إدريس عليه السلام والله أعلم بصحّتها، أنه أول من تكلم في علوم الفلك، وذكرت تلك الأسفار عن الكون كلاماً عجيباً لم يأت العلم حتى اليوم بما يخالفه، ومن ذلك ذكر دوران الشمس الذي لم يتوصل العلم المادي إلى إثباته إلا مؤخراً، وقد قيل أنه أول من اكتشف المجرات والمدارات والنجوم، ونقاط التقائها وما بها من أسرار، وقد كتب كل ذلك العلم في أسفاره، ولعل اهتمام إدريس بعلم الفلك قد بدأ في بابل ولكن أموره لم تلبث أن اضطربت فيها، فهاجر إلى مصر حيث استقر ونمّى هذا العلم وطوره فيها.

- أول من خطط المدن وبناها ومصّر الأمصار:

وفي الروايات أنه بُني في زمانه مئات المدن وأن قصر "أنس الوجود" هو أقدم أثرٍ تاريخي في صعيد مصر ومن أقدم آثار العالم، كان مسكناً له عليه السلام.

- أول من بنى المعابد وعبد الله تعالى فيها:

تذكر الكثير من المصادر أن إبراهيم عليه السلام أول من أقام بناءً مخصصاً للصلاة في الأرض، في إشارة إلى إقامته المحاريب في أرض كنعان، ولعل ّ كلمة "الأرض" في قصة إبراهيم تشير إلى بلاد الشام، والصحيح أن آدم عليه السلام وأمنا حواء وذريتهما الأولى أوّل من عبَدَ الله في هذه الأرض، وقد يكون صاحب ذلك بناءُ مكانٍ لعبادة الله فيه (الكبيسي، ص 108).

- ترك جملة من الشرائع:

منها إقامة العدل وإقامة الصلاة، وصيام أيّامٍ معينة وأداء الزكاة على الأموال، والتطهّر من الجنابة، وتحريم لحم الحمار والكلب، وتحريم المسكر وتقديم القرابين، وتسمية أعيادٍ في أوقاتٍ معروفة، أي أنه أتى بمناسك وشريعة شبه كاملة. وفي تفسير النسفي أنّه أول من اتخذ الموازين والمكاييل، وأوّل من استخدم الأسلحة في قتاله بني قابيل. وتنقل إلينا الروايات من صفات إدريس عليه السلام أنه كان متأنّياً في كلامه، كثير الصمت، ساكن الأعضاء، وقوراً، إذا مشى نظر إلى الأرض، كثير الفكرة وكثير التأمل، به عبسةٌ إذا اغتاظ احتدّ، وإذا تكلم حرّك سبّابته.

- ما نسب إليه من الحكم والمواعظ:

ومما تزعم المصادر أنه من حكم إدريس عليه السلام:

• خير الناس من نفع الناس.

• من لا يشكر الناس لا يشكر الله.

• الحكمة حياة النفس.

• لا تحسد الناس على ما وافاهم من الحظ فإن استمتاعهم به قليل.

• تجنبوا المكاسب الدنيئة (الكبيسي، ص 109).

• من تجاوز الكفاف لم يغنه شيء (النجار، ص 54).

• خير الدنيا حسرةٌ وشرها ندمٌ، إذا دعوتم الله تعالى فأخلصوا النية، وكذا الصيام والصلوات فافعلوا (الوكيل، 1/65).

وغير ذلك من الحكم والمواعظ.

وقالت كتب التاريخ: كانت مدة مقامه في الأرض اثنتين وثمانين سنة (النجار، ص 54). وذكر أنه توفي عن ثلاثمائة وخمسٍ وستين سنة (الوكيل، 1/67)، وقيلت في وفاته ورفعه أقوالٌ كثيرة سنعرض لها عند قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57]، بإذن الله تعالى.

إن كثيراً مما نسب إلى إدريس عليه السلام في كتب التاريخ أو الأسفار المنسوبة إليه لم تُؤيد بنقل صحيح، ولم يعضدها نصٌ قاطعٌ نشهد به أن الله تعالى صنعه لعبده ونبيه إدريس عليه الصلاة والسلام، وكلها أقوالٌ لا بأس بالاطلاع عليها كما يطلع المرء على غيرها من السير التي هي أشبه بالخرافات، وأهل التاريخ لا يجدون في بحوثهم ما يؤيد هذه الأخبار، بل يجدون ما يناقضها من العلم بأسماء الأهرام والملوك الأولين الذين قاموا بالدولة في مصر مثل مينا وخوفو ومنقرع وغيرهم من الذين شيدوا المعابد وحفروا الآبار، ونقشوا عليها ما هو ماثلٌ اليوم، وذلك كله بخطوطٍ خاصة يقرأونها ويفسرونها (النجار، ص 55).

المصادر والمراجع:

1. الكبيسي، أحمد، من أنباء القرى.

2. السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.

3. النجار، عبدالوهاب، قصص الأنبياء.

4. الوكيل، محمد السيد، نظرات في أحسن القصص.

5. الصلابي، علي محمد، أنبياء الله إدريس وإلياس وذو الكفل واليسع عليهم السلام.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022