أهمية حفظ اللسان في شهر رمضان المبارك
بقلم: د. علي محمد الصلابي
لقد شرع الله تعالى الصيام تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للأخلاق، وتطهيرًا للقلوب، وجعل شهر رمضان موسمًا عظيمًا لمراجعة الأعمال والأقوال، وإن حفظ اللسان من أجلِّ العبادات في شهر رمضان؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو امتناعٌ عن كل ما يغضب الله تعالى من قولٍ أو فعل. وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطورة الكلمة وأكد على مسؤولية الإنسان عن كل يقوله أو ينطق به، قال سبحانه:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (سورة ق: 18).
فهذه الآية تذكّر المؤمن بأن كل لفظةٍ محسوبة عليه، وكل كلمةٍ مسجلة في صحائفه، فكيف إذا كان ذلك في شهرٍ يتطلب الالتزام المضاعف بالتوجيهات الربانية والالتزام الصارم بالأخلاق والفضائل الإسلامية، وتشتد فيه مراقبة العبد لربه؟
كما أمر الله تعالى المؤمنين بانتقاء القول الحسن، فقال جل وعلا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: 70-71). فالقول السديد سببٌ في صلاح العمل ومغفرة الذنوب، وهو في رمضان أولى وأحرى بالمسلم أن يفعله ويلتزم به، لأن الصائم يرجو تمام الأجر وكمال القبول.
ومن أعظم ما يدل على ارتباط الصيام بحفظ اللسان قول النبي ﷺ: « قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ…» (البخاري، رقم: 1904) و(مسلم، رقم: 1151). فالنبي ﷺ بيّن أن الصيام وقاية، ومن تمام هذه الوقاية كفّ اللسان عن الرفث والصخب وسوء الكلام.
بل إن خطورة اللسان قد تُذهب أجر الصيام، كما قال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (البخاري، رقم: 1903). فالواجب على المؤمن أن يصون صومه عما حرم الله، فإن الصوم يقتضي أن يصون الإنسان لسانه وجوارحه عن كل ما حرم الله كما صام عن الطعام والشراب والمفطرات، يجب عليه أن يصوم عما حرم الله دائمًا في رمضان وفي غيره من قول الزور، من سائر المعاصي، من العقوق وقطيعة الرحم، من الغيبة والنميمة إلى غير هذا مما حرم الله، بل يجب أن يكون حذره منها في رمضان أشد وأكثر (الموقع الرسمي للشيخ ابن باز، باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحِه عن المخالفات والمشاتمة ونحوها).
وقد حذر القرآن من الغيبة تحذيرًا شديدًا، فقال سبحانه:
﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (سورة الحجرات: 12).
فشبه الله الغيبة بأكل لحم الميت، وهي صورةٌ تقشعر لها الأبدان، فكيف يرضى الصائم أن يلوث صيامه بمثل هذا الفعل؟
ومن جوامع كلم النبي ﷺ في تهذيب اللسان قوله: « مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ ..» (البخاري، رقم: 6018) و(مسلم، رقم: 47). فهذا ميزانٌ دقيق: إما كلمةٌ طيبة تُكتب في صحيفة الحسنات، أو صمتٌ يقي من الزلل.
ورمضان فرصةٌ عظيمة لتدريب النفس على هذا الميزان؛ فالصائم حين يجاهد جوعه وعطشه، يكون أقدر على مجاهدة لسانه، وإذا تعوّد في هذا الشهر المبارك على ترك اللغو والباطل، سهل عليه الاستمرار بعده. فهذا الشهر العظيم، معسكر تدريبي، ومدرسة نموذجية، وواحة إيمانية، لحفظ اللسان، وصيانته من الباطل واللغو والكلام الفاحش والبذيء، واستثماره بذكر الله وتلاوة القرآن والدعاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس الخير (الشعبان، 2016).
إن حفظ اللسان في رمضان يثمر صفاء القلب، وسلامة الصدر، وقبول العمل، ويجعل الصيام تربيةً متكاملة لا عادةً موسمية. فالكلمة الطيبة صدقة، والذكر تسبيح، وتلاوة القرآن نور، والدعاء مخ العبادة؛ وكلها من أعمال اللسان المأجورة التي تعظم في هذا الشهر الكريم.
فلنغتنم أيام رمضان ولياليه، ولنحفظ ألسنتنا عن كل ما لا يرضي الله، رجاء أن نكون ممن صاموا فكان صيامهم مقبولًا، وقاموا فكان قيامهم مشكورًا، ونالوا مغفرة الرحمن ورضوانه. اللهم أعنّا على القيام والصيام وغض البصر وحفظ اللسان.
المصادر والمراجع:
1. الموقع الرسمي للشيخ ابن باز رحمه الله، باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحِه عن المخالفات والمشاتمة ونحوها، https://2u.pw/3Y0SF.
2. الشعبان، أيمن، (2016). رمضان وحفظ اللسان، http://iswy.co/e17cks.