مشيئة الله النافذة وأثرها في عقيدة المسلم
بقلم: د. علي محمد محمد الصلابي
إن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله، سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء
ومن الأدلة في القرآن الكريم:
1 ـ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. أي: إنما يأمر بالشيء، أمراً واحداً لا يحتاج إلى تكرار. إذا ما أراد الله أمراً فإنما يقول له " كُنْ" قولة فيكون. (صحيح تفسير ابن كثير، مصطفى العدوي، (3/ 675))
2 ـ وقد ورد في القرآن الكريم ـ في الحديث عن بعض الأنبياء وغيرهم ـ تعليقهم كل أمر بمشيئة الله ـ سبحانه وتعالى ـ فنوح عليه الصلاة والسلام، لما قال له قومه:﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: 32-33] ـ وشعيب عليه السلام ـ بعد ـ ما طلب منه قومه أن يعود إلى ملتهم بين أنه لا يمكن أن يعود إلى ملتهم بعد أن نجاه الله منها هو والمؤمنون معه ولا ينبغي لهم ذلك إلا إذا شاء الله ذلك فقال:﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: 89]، فعلق أعظم شيء وهو الإيمان والكفر على مشيئة الله. ـ ويوسف عليه السلام، قال لأهله بعد أن ألتقى بهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99]. ـ وقال موسى عليه السلام ـ للعبد الصالح ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: 69] ـ والله سبحانه وتعالى وجه نبيه قائلاً: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ [الكهف: 23-24]. فهذه الآيات تدل على استقرار عقيدة المسلمين ويقينهم بهذه المرتبة من مراتب القدر. (القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود ص 70)
3 ـ قال تعالى:﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]، أي: أنت المعطي وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم يشأ لم يكن. (صحيح تفسير ابن كثير، مرجع سابق، (1 / 338))
4 ـ قـال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6]، أي وهــو الذي يصور الخلق فـي الأرحام كيف يشاء ذكوراً وإناثاً، أشقياء وسعداء مختلفين في صفاتهم وأشكالهم، حسناً وقبحاً.
5 ـ قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125]، أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، ويوسع قلبه للتوحيد والإيمان به ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ أي يجعل صدره ضيقاً، لا يتسع لشيء من الهدى ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه.
6ـ قوله تعالى ـ في معرض الحديث عن أهل الكتاب، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم على أن يتبع أهواءهم، وأمره أن يلتزم الحكم بما أنزل الله، مبيناً أن لكل من الأمم الثلاثة: اليهود والنصارى، وأمة محمد، شريعة ومنهاجاً في كل من التوراة والإنجيل والقرآن،"وقد نسخ القرآن ما قبله" قال بعد ذلك: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: 48]، أي: لجعلكم على شريعة واحدة، وكتاب واحد، ورسول واحد، لكن لما لم يشأ الله ذلك، بل شاء الأبتلاء والاختبار، فكنتم على الحالة التي أنتم عليها، فمشيئة الله مطلقة، والنافذ هو ما يشاؤه ـ سبحانه وتعالى ـ فهذا دليل على مرتبة المشيئة. (الإيمان بالقدر، د. علي الصلابي، ص52)
أدلة هذه المرتبة من السنة:
1 ـ عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء. (البخاري، الزكاة، (3/ 299))
فأوصى بالشفاعة وذلك فيما ليس بمجرم وضابطها: ما أذن في الشرع دون ما لم يأذن فيه، ثم بين أن الله يقضي على لسان رسوله ما شاء، أي: يظهر على لسان رسوله بالوحي أو الإلهام ما قدره في علمه بأنه سيقع، فهذا يدل على مرتبة المشيئة. (فتح الباري، أحمد ابن حجر (10/ 451))
2 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، فقوله: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، فيه إثبات مرتبة الإرادة، وأن الأمور كلها تجري بمشيئة الله تعالى ـ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: وإنما أنا قاسم والله يعطي، أي: إنما اقسم ما أمرني الله بقسمته، والمعطي حقيقة هو الله ـ تعالى ـ فالأمور كلها بتقدير الله تعالى، والإنسان مصرف مربوب.
3ـ وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجعلتني والله عدلاً، بل ما شاء الله وحده (مصنف ابن أبي شيبة رقم 6742)، والحديث واضح الدلالة على إثبات مرتبة المشيئة، وأن الله تعالى له المشيئة المطلقة، وأن للعباد مشيئة خاضعة لمشيئة الله ـ تعالى ـ، والنهي في الحديث إنما هو عن قرن مشيئة الله بمشيئة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث عطفها بالواو والتي هي لمطلق الجميع من غير ترتيب ولا تعقيب، والرسول مثل غيره من العباد، فالكل خاضعون لمشيئة الله، ومشيئتهم تابعة لمشيئة الله. (القضاء والقدر، للمحمود، مرجع سابق، ص 75)
4ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت أرحمني إن شئت، أرزقني إن شئت، وليعزم مسئلته أنه يفعل ما يشاء لا مكره له. (البخاري (7477) مسلم رقم 2678)
ففيه إثبات المشيئة لله ـ تعالى ـ فهو الغفور الرحيم، والرازق إذا شاء، وهو سبحانه يفعل ما يشاء، لا مكره له، والحديث فيه الحث على العزم في المسألة والجزم فيها، دون ضعف أو تعليق على المشيئة، وإنما نهى عن التعليق على المشيئة لأنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا في حق من يتوجه إلى الإكراه، والله ـ سبحانه وتعالى ـ لا مكره له، كما نص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هنا. (شرح النووي على مسلم (17 / 6 ـ 7))
5ـ وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ حين أجابه بعد سؤاله له هو وفاطمة بقوله: "ألا تصليان؟" فأجابه بقوله: أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا.
قال علي: فانصرف حين قلت له ذلك، ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته وهو مُوَلِّ يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. ففي هذا الحديث إثبات لمشيئة الله ـ تعالى ـ وأن العبد لا يفعل شيئاً إلا بإرادة الله وأما انصراف النبي صلى الله عليه وسلم وضربه فخذه، واستشهاده بالآية، فمعناه أنه تعجب من سرعة من جوابه وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا، ولهذا ضرب فخذه. (شرح النووي، مرجع سابق، (4 / 2045))
6ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان (مسلم رقم 2664).ففي الحديث حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان بمقادير الله وبمشيئة الله وإرجاع ما يقع للعبد إلى مشيئة الله: "وما شاء فعل" فيه إثبات المشيئة لله تعالى. (المباحث العقدية المتعلقة بالأذكار، علي الكيلاني، (2 / 883))
7 ـ وعن ابن عباس رضي الله نهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده فقال: لا بأس عليك طهور إن شاء الله، قال الأعرابي: طهور، بل هي هي حمى تفور على شيخ كبير، تُزيره القبور، قال النبي صلى الله علي وسلم: فنعم إذاً. (البخاري، التوحيد رقم 7032)
وهذا الحديث استدل به البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد علي إثبات مشيئة الله عز وجل، كما هو واضح في تخريج الحديث، حيث بوّب له باب: في المشيئة والإرادة. والشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله. فجعل كون هذا المرض الذي أصيب به المريض طهوراً من ذنوبه ومكفراً لها مقيداً بمشيئة الله تعالى وفوض ذلك فإن شاء الله تعالى جعله كفارة وطهوراً فهو يفعل ما يشاء وهو على كل شئ قدير. (المباحث العقدية، مرجع سابق، (2 / 884))
والأحاديث الدالة على مرتبة المشيئة والإرادة كثيرة جداً.
المراجع:
• الإيمان بالقدر، علي محمد الصلابي، دار المعرفة، ط2، 2011م.
• مصنف ابن أبي شيبة.
• فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي ابن حجر، دار المعرفة، بيروت، 1379.
• صحيح تفسير القرآن العظيم، مصطفى العدوي، دار ابن رجب، ط 1، 2010.
• القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه، عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن، ط2، 1997م.
• المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط2.
• المباحث العقدية المتعلقة بالأذكار، علي بن عبد الحفيظ الكيلاني، عمادة البحث العلمي في الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط1، 1428ه.