الأحد

1447-06-09

|

2025-11-30

من أسباب هلاك قوم هود عليه السلام .. الاستكبار

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

الكِبر من أخطر الآفات الأخلاقية التي تهلك الناس وتوردهم المهالك، إذ يورث القسوة ويصدّ القلوب عن قبول الحقّ، ويقود صاحبه إلى الهلاك في الدنيا والآخرة. وقد قصّ القرآن الكريم أخبار أممٍ كثيرة كان الاستكبار سبب اندثارها، ومن أبرزها قوم عاد الذين بَغَوا في الأرض وتجبّروا على أوامر الله، فكانت عاقبتهم الدمار.

والاستكبار، والكبر والتكبُّر والاستكبار: اشتقاقات من مادّة (كبر) وهي متقاربة في المعنى (1). فالكبر ألصقناه بالخُلُق الباطنيّ، وهو: خلق في النفس دالّ على الاسترواح (2)، والركون إلى رتبة فوق المتكبَّر عليه (3)، فمتى اتّصف المرء بهذا الخلُق يُقال في نفسه كبر (4)، فإذا ظهر كعمل صادر عن الجوارح كان تكبُّراً واستكباراً (5). وقد بيّن رسول الله ﷺ حقيقة الكبر المُتَوعَّد عليه بالعقاب فقال: "الكِبر بطر الحقّ وغمط الناس" (6).

وصفة الاستكبار الذَّميمة كانت شائعة في قوم هود (عليه السلام)، وكانوا قوماً مستكبرين متجاوزين في الحدّ في الكبر؛ ووصفهم بهذه الصفة ربّ العالمين، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [فصلت: 15].

ويُلاحظ هنا أنّه ذكر أنّ استكبارهم كان بغير حقّ لأنّهم نازعوا فيما لا ينبغي، فالكبر ممّا اختصّ به جلّ وعلا، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله عزّ وجلّ: الكبرياء ردائي، والعظَمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار" (7).

وفي قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ حال لازمة لعاملها، إذ لا يكون الاستكبار إلّا بغير الحقّ، فيكون قوله ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ زيادة بيان للمعنى الذي دلّ عليه لفظ الاستكبار (8)، فهي زيادة تشنيع لاستكبارهم، وقد وصف الله أيضاً عاداً عامّتهم بالاستكبار، وفي موضع آخر ذمَّهم باتّباع المستكبرين المتجبّرين، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: 59]؛ يعني كلّ مستكبر على الله، حائد عن الحقّ، لا يذعن له، ولا يقبله (9).

فالاستكبار كان صفة للقادة والأتباع (10)، ومن أراد التوسّع في مفهوم الاستكبار فليراجع كتاب مفهوم الاستكبار والاستضعاف في القرآن الكريم (11). وقد تكبّر قوم عاد على الله سبحانه وتعالى بالترفّع عن عبادته وعن الإذعان لأوامره ونواهيه، وعلى هود (عليه السلام) وأتباعه، ولذلك مضت فيهم سنّة الله في إهلاك أهل الاستكبار.

إنّ الكبر خلُق ذميم، وكبيرة من كبائر الذنوب، وبسببه شقِي كثير من الناس، وأوبقوا أنفسهم في العاجلة، واستحقّوا العذاب في الآخرة، والنصوص الواردة في ذمّه وبيان خطورته، وما أعدّ الله لصاحبه كثيرة لا تُحصى، منها قوله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. وقال ﷺ: "لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر" (12).

وهذان النصّان في الوعيد الأخروي، وأمّا في العاجلة فيكفي في بيان عاقبة صاحب الكبر ما ورد من النّصوص الدّالّة على كونه سبباً في هلاك كثير من الأمم السّالفة، وأشدّ آثار الكبر ضرراً لصاحبه أنّه يمنعه من اتّباع الحقّ والانقياد له بعد معرفته، فيُحرم الهداية، وينقاد للباطل بسبب كبره وعناده، ولذلك كان كفر أغلب الأمم بسبب الآباء والاستكبار، فهم عرفوا صدق الرسُل، وأنّ ما جاؤوا به حقّ، ولكنّهم لم يؤمنوا بهم تكبُّراً واستنكافاً أن يتّبعوا بشراً مثلهم (13).

 

المصادر والمراجع:

1. المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص421.

2. لسان العرب، (3/1765).

3. إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، (3/363).

4. أسباب هلاك الأمم السالفة، محمد سعيد سيلا، ص157.

5. أسباب هلاك الأمم السالفة، المصدر السابق، ص157.

6. صحيح مسلم، رقم (147).

7. أسباب هلاك الأمم السالفة، محمد سعيد سيلا، ص158.

8. أسباب هلاك الأمم السالفة، المصدر السابق، ص158.

9. أسباب هلاك الأمم السالفة، محمد سعيد سيلا، ص166.

10. أسباب هلاك الأمم السالفة، المصدر السابق، ص167.

11. مصطفى أبو عيشة، دراسة مصطلحيّة وتفسير موضوعي: مفهوم الاستكبار والاستضعاف.

12. صحيح مسلم، رقم (149).

13. أسباب هلاك الأمم السالفة، محمد سعيد سيلا، ص162.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022