الأحد

1447-06-09

|

2025-11-30

أسباب هلاك قوم هود عليه السلام .. الكفر والشرك بالله

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

إن هلاك الأقوام الذين ضرب الله بهم المثل في القرآن الكريم، من أسبابه ضلالهم وتكبرهم، وتصديهم لدعوة الله تعالى بالإعراض والجحود والكفر والعناد، واِرتكاب المعاصي، وقد لاقوا العذاب، والويل في دنياهم، وسينالوا أشد العقاب في عالم الحياة الآخرة، ومن بينهم قوم هود.

إنّ هوداً (عليه السلام) جاء في نهاية الحضارة الإنسانيّة الثانية، والتي بدأت من نوح (عليه السلام)، ثمّ انحرفت عن التوحيد، وإفراد الخالق العظيم بالعبوديّة، وتطوّرت الحياة الإنسانيّة على وجه الأرض في قضياها المادّيّة، وضعفت، وأخطأت السبيل في قيمها الروحيّة، ومعرفتها بخالقها العظيم، فأرسل الله (عزّ وجلّ) هوداً (عليه السلام)، فأقام على الكافرين والظالمين، ومضت سنّة الله في زوالهم واستئصالهم، وآمن معه القليل الذي أنشأ بهم حضارة جديدة، وإنّ من أسباب زوال ونهاية الحضارة الإنسانيّة التي نشأت على يديّ قوم عاد عوامل عديدة، من أهمّها:

إنّ من أهمّ أسباب العقاب الإلهيّ، وهلاك الحضارة التي أنشأتها قبيلة عاد: الكفر بالله، وأصل الكفر في اللّغة: الستر والتغطية، وقد سُمّي الكافر كافراً لأنّه غطّى بالكفر ما يجب أن يكون عليه من الإيمان، والكفر ضدّ الإيمان، وهو التصديق، والاعتقاد، والإقرار بوحدانيّة الله وبربوبيّته وألوهيّته، والإيمان بالملائكة، وشريعة الله، ورسالة هود (عليه السلام)، واليوم الآخر، وبقضاء الله خيره وشرّه.

وقد رفض قوم عاد دعوة هود (عليه السلام) للتوحيد ورسالات الله، وكفروا بها وحاربوها، ووصفهم الله بالكفر في قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: 66].

وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: 60].

إنّ وصف قوم عاد بالكفر يعني أنّها في تلك الفترة التاريخيّة من تاريخ الإنسانيّة كانت منفصلة عن الدّين، ومتحرّرة من تكاليف الإيمان بالله، وشرعه، وهذا يُفضي إلى اِنحلال الأخلاق، وانحطاطها، وهذا ما حدث لها من حالة الشقاء والتعاسة التي كان يَعيشها قوم عاد من بُعدهم عن هدايات السماء، وإنّ الجنوح المادّيّ التي طالما تميّزت به قوى الكفر منذ فجر التاريخ وحتّى وقتنا الرّاهن كضرورة من ضرورات التصاقها بالأرض ورفضها أيّ إيمان بالغيب أو المُثُل العُليا، لا يُمثّل تعبيراً عن السعادة بمفهومها الشامل، بل على العكس فإنّ هذا الجنوح يُمثّل نقصاً كبيراً، وانحرافاً خطيراً في تجربة يملأ خلاياها، وشرايينها بالتعاسة والشقاء (1).

ومهما يكن من أمر فإنّ الحضارة، أيّة حضارة، محكومة بالسنن الإلهيّة، وهذه السنن في المجال الحضاريّ على نوعين:

- سُنن جزئيّة تتعلّق بعالم الشهادة، وهي سنن تعطي كلّ من يوظّفها على قدر سعيه، ولا تفرّق بين مؤمن وكافر.

- سُنن كُلّيّة حاكمة على هذه السنن الجزئيّة، وهي سنّة الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وهي التي تُحدّد مصير الحضارات، نموّاً وسقوطاً، وتعتبر جميع عوامل سقوط الحضارات تبعاً لهذا العامل، أي غياب الإيمان بالله وحده (2).

فقوم عاد مضت فيهم سنّة الله، بأسباب عديدة منها: الكفر بالله (عزّ وجلّ)، فوقع عليهم عذاب الله (عزّ وجلّ) بالريح الصرصر العاتية، وبالصيحة القاضية، والتي تعتبر من العقوبات العظيمة التي وقعت في تاريخ الإنسانيّة، وخلّد الله ذكرها في القرآن العظيم، قال تعالى:﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ۝١٣ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ۝١٤﴾ [فصلت: 13-14]، فهذه عبارتهم صريحة بالكفر بما جاء به هود (عليه السلام).

ومن المعلوم أنّ التوحيد هو الأصل في حياة الإنسان، وهو الذي صنع الحضارة من بداية خلق الله لأبينا آدم (عليه السلام)، ولكن في نهاية الحضارة الإنسانيّة الأولى وفي عهد قوم نوح فشا فيهم الشرك، وظهرت أسباب الهلاك، وحدث الطوفان العظيم، ونجا نوح (عليه السلام) والذين آمنوا معه، وانطلقوا بالحضارة الإنسانيّة الثانية القائمة على التوحيد وإفراد الله بالعبادة، وأوّل انحراف بعد نوح (عليه السلام) ما وقع فيه قوم عاد من الشرك، وقد بيّنا في هذا الكتاب محاورة هود (عليه السلام) لقومه، واستعماله كافّة أساليب الإقناع في سبيل دعوة التوحيد ونبذ الشرك، ومضى يدعوهم إلى الله (عزّ وجلّ) ولكنّهم رفضوا وأصبحوا أوّل المشركين بعد الطوفان العظيم، وكانوا متوغّلين في الشرك، راسخين في العناد، وسجّل عليهم القرآن الكريم موقفهم النهائيّ من الشرك وعبادة الأصنام بعد المواعظ البليغة والنصائح الغالية التي بذلها هود (عليه السلام)، وردّوا عليه بقولهم: قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 53].

وفي موقف من ومواقف الثّقة بالله والتوكّل عليه بيّن لهم هود (عليه السلام) عجز أصنامهم وضعفها عندما قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: 54].

فتحدّاهم جميعاً هم وأصنامهم التي زعموا أنّها آلهة تنفع وتضرّ، وتحدّاهم أن يسعوا في الكيد له والإضرار به ما أمكنهم ذلك، فلو كانت تلك الأصنام آلهة حقّاً لانتقمت منه وأهلكته بما شنّع عليها وذمّها، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ۝٥٤ مِنْ دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ۝٥٥ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ۝٥٦﴾ [هود: 54-56].

ولم تفعل أصنامهم شيئاً وأنّى لها ذلك؟ وهي جمادات لا إدراك لديها فضلاً عن جلب نفع أو دفع ضرّ، والقوم بعد هذه الحجج وهذا التحدّي لم يُقارعوا الحجّة بالحجّة، والرهان بالبرهان، بل أعلنوا تبرُّؤهم من الحجج العقليّة، والفطريّة، والمنطقيّة التي يأتي بها هود (عليه السلام)، وأغلقوا باب المحاورة والمجادلة، وطلبوا نزول العذاب، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: 70].

وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: 22].

إنّه عناد ما بعده عناد، وكلّ ذلك من أجل أصنام صنعوها بأيديهم، وسمّوها آلهة بغير سلطان أتاهم (3).

وفي النهاية قضى الله تعالى بهلاك المشركين، وهي سنّة فيمن أشرك به وحادّ رسوله، وانهدّت أركان شرك قوم عاد بالريح الصرصر العاتية.

المصادر والمراجع:

1. الرؤية الإسلاميّة والمسألة الحضارية دراسة ومقارنة، عبد الله محمد الأمين، ص103.

2. قصّة السنن الإلهيّة، وفاء محمد سعيد، ص169.

3. أسباب هلاك الأمم السابقة كما وردت في القرآن الكريم، سعيد محمد سيلا، ص128.

4. علي محمد الصلابي، نبي الله هود (عليه السلام) وأسباب زوال حضارة قوم عاد، دار ابن كثير.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022