الأربعاء

1447-10-27

|

2026-4-15

الحضارات البشرية والرسالات السماوية قبل إبراهيم عليه السلام

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

سبقت رسالة إبراهيم - عليه السّلام - عدة رسالات سماوية كرسالة نوح وهود وصالح وقبلهم آدم، وكان هؤلاء الرسل والأنبياء بمثابة قادة للإنسانية؛ وإنّ دراسة سيّر الأنبياء والمرسلين تبيّن للباحث والقارئ مسار الحضارة القديمة وتطورها، التي تدين لها البشرية في كثير من مجالات تطور وتمدن حياتها في مواطن بعثة الأنبياء أو قريبة منها حتى وقتنا الحاضر (سريرات، ص 23).

وإنَّ تلك المواطن تقع فيها ما يُسمّى بالمشرق العربي أو الشرق الأوسط، وخاصّة في الجزء الطيب في مناخه وفي أرضه، والذي يتخلله أنهار النيل ودجلة والفرات. وقد ازدهرت على تلك المواطن، ابتداء من الألف الخامس قبل الميلاد، حضارات عظيمة ورائدة عن بقية العالم، ومنها الحضارة السومرية والمصرية والبابلية والآشورية وغيرها (سريرات، ص 42).

ولا يخفى علينا أنه قامت حضارات في مناطق أخرى بعيدة منها الحضارة الصينية مثلاً التي نشأت على ضفاف الأنهار، ولكن نظراً لعزلتها وبُعدها عن موطن بعثة الأنبياء، فلم تكن لها الأسبقية في الظهور (الصلابي، ص 33).

إنَّ منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط الممتدة إلى الجزيرة العربية، تعرف بأنها أرضُ الحضارات ومهدُ الديانات السماوية، فهي منبع الدورة الحضارية الدموية في الأرض، والشعوب التي أقامت الحضارات تنتمي لأبناء نوح عليه السّلام ومعظمهم من المؤمنين من أقوام العرب البائدة عاد وثمود (الهالكين)، حيث نزحت من أرض الجزيرة العربية بسبب ما ابتلى الله تعالى به آباءهم من الكوارث المهلكة كعقاب مباشر على إنكارهم دعوة الرسل على إفسادهم وبطرهم وسوء تدبيرهم وشرورهم.

وإنَّ تحرك الجماعات الإنسانية القديمة من مواطنها باحثة عن بيئات جديدة ليست بعيدة عنها، حيث يتوفر فيها الاستقرار والماء الوفير وموارد العيش الكريم، ولأنها طبيعة الإنسان، وجدت تلك الجموع مبتغاها على ضفاف أنهار دجلة والفرات والنيل، وبدأت عملية التنقيب والاستلهام عن أحسن ما في إنجازات آبائهم المادية والتنظيمية، وطوّروا تقنيات عصرهم ونظمهم الإدارية ووسائل عيشهم، وبدأت تتشكل التجمعات البشرية، ونمت إلى كيان الدولة المترامية الأطراف، ونظم الحكم الملكي والإمبراطوري.

وفي خضم ذلك التحول إلى مرحلة الدولة المسؤولة، بعد أن نجح الإنسان القديم في إقامة حضارات حول الأنهار الكبرى في الشرق الأوسط، وفي إرساء نظام حكم على أساس ملك يتوارثه كأنه منحة مقدسة يسوس به مجتمعاته بقواعد المنظومات التي اقتنع بها في مجال العقيدة والأخلاق والاقتصاد والحياة الاجتماعية والعسكرية، وظهر إبراهيم - عليه السّلام - بين قومه في أور البابلية جنوب العراق (سريرات، ص 45)، بعد أن انحرف الناس عن التوحيد وإفراد الله - عزَّ وجل - بالعبودية، ووقعوا في حبائل إبليس ووسائل الشيطان وعبدوا الأوثان والأصنام والنجوم والكواكب والبشر من دون الله، ونسوا دعوة نوح وهود وصالح - عليهم السلام - وانحرفوا عنها انحرافاً كبيراً (الصلابي، ص 34).

المصادر والمراجع:

1. سريرات، أحمد. سنن الله في الحضارة الإنسانية، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 2013م.

2. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله، دار ابن كثير.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022