السبت

1448-02-04

|

2026-7-18

فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيدة نساء العالمين في زمانها

هي فاطمة بنت سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية، سيدة نساء العالمين في زمانها، والبضعة النبوية، والجهة المصطفوية، وكانت تكنى أم أبيها (١)، وهي أم الحسنين الحسن والحسين رضي الله عنهما، وقد كان مولدها قبل المبعث بقليل، فكانت واحدةً من أهل بيت النبوة الذين عاشوا بدايات الدعوة وما أحاط بها من أحداث وتحولات.

وتزوجها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذي القعدة، أو قبيله، من سنة اثنتين بعد وقعة بدر، بينما ذكر ابن عبد البر أنه دخل بها بعد وقعة أحد (٢)، وولدت له الحسن والحسين ومحسناً وأم كلثوم وزينب، وروت رضي الله عنها عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عنها ابنها الحسين، وعائشة أم المؤمنين، وأم سلمة، وأنس بن مالك وغيرهم، وكانت روايتها مخرجةً في الكتب الستة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب ابنته فاطمة حباً عظيماً، ويكرمها ويسر إليها، وكانت مناقبها غزيرةً، وقد وصفها الإمام الذهبي بأنها كانت صابرةً، دينةً، خيرةً، صينةً، قانعةً، شاكرةً لله، وهي صفات تكشف عن طبيعة حياتها وما اجتمع فيها من العبادة والصبر والعفة والقناعة، إلى جانب منزلتها الخاصة في قلب أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

«فاطمة بضعة مني»

ومن دلائل مكانتها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غضب لها حين بلغه أن أبا الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هم بما رآه سائغاً من خطبة بنت أبي جهل، فقال صلى الله عليه وسلم: «والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله، وإنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها» (٣)، فترك علي رضي الله عنه تلك الخطبة رعايةً لها، ولم يتزوج عليها ولم يتسر ما دامت حيةً، فلما توفيت تزوج وتسرى رضي الله عنهما.

حزن فاطمة على وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم

لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنت عليه فاطمة حزناً شديداً وبكته، وقالت في كلماتها المؤثرة: «يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه! يا أبتاه! أجاب رباً دعاه! يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه!»، ثم قالت بعد دفنه مخاطبةً أنس بن مالك رضي الله عنه: «يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم!» (4)، وهي كلمات تصور ما كان في قلبها من عظيم الحزن على فراق أبيها ونبيها صلى الله عليه وسلم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسر إليها في مرضه الذي توفي فيه أنه مقبوض في مرضه ذلك، فبكت رضي الله عنها، ثم أخبرها أنها أول أهله لحوقاً به، وأنها سيدة نساء هذه الأمة، فضحكت وكتمت ذلك السر ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً، فلما توفي سألتها عائشة رضي الله عنها عن سبب بكائها ثم ضحكها، فحدثتها بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسر إليها. (5)

وقد وصفت عائشة رضي الله عنها مشيتها فقالت: جاءت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رحب بها وقال: «مرحباً بابنتي» (6)، وكان هذا الشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم في سمتها ومشيتها من الصفات التي اشتهرت بها فاطمة رضي الله عنها، كما جاءت بذلك الروايات الصحيحة.

فاطمة رضي الله عنها وميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم

لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلقت آمال فاطمة رضي الله عنها بميراث أبيها، فجاءت تطلب ذلك من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فحدثها أبو بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة» (7)، فوجدت عليه ثم تعللت، أي تلهت عنه وتشاغلت (8)، وكان أبو بكر رضي الله عنه متمسكاً في موقفه بما سمعه مباشرةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم ما تركه الأنبياء بعد وفاتهم.

وروى إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، أنه لما مرضت فاطمة رضي الله عنها أتى أبو بكر فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، وقد علق الذهبي على ذلك بقوله: «عملت السنة رضي الله عنها، فلم تأذن في بيت زوجها إلا بأمره»، ثم أذنت لأبي بكر، فدخل عليها يترضاها وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت. (9)

مدة حياتها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشهر قليلة، وقد ذكر الذهبي أنها توفيت بعده بخمسة أشهر أو نحوها، بينما ثبت في حديث عائشة رضي الله عنها أنها عاشت بعده ستة أشهر (10)، واختلفت الأقوال في عمرها عند الوفاة؛ فقيل إنها عاشت أربعاً أو خمساً وعشرين سنةً، وقيل إنها عاشت تسعاً وعشرين سنةً، وقد رجح الذهبي القول الأول.

وكانت فاطمة رضي الله عنها أصغر من أختيها زينب زوجة أبي العاص بن الربيع، ورقية زوجة عثمان بن عفان رضي الله عنهم، وقد انقطع نسب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة بناته إلا من قبل فاطمة؛ لأن أمامة بنت زينب، التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها في صلاته (11)، تزوجت بعلي بن أبي طالب ثم من بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وذكر الزبير بن بكار أن عقب زينب قد انقرض.

فاطمة رضي الله عنها في أهل البيت

صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلل فاطمة وزوجها علياً وابنيهما الحسن والحسين رضي الله عنهم بكساء، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً» (12)، وهو من أشهر الأحاديث الواردة في فضائل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روي من حديث عائشة وأم سلمة وواثلة بن الأسقع رضي الله عنهم بأسانيد وطرق متعددة.

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: «أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم» (13)، وقد بين أهل الحديث أن في إسناده تليد بن سليمان، وهو ضعيف، بينما بقية رجاله ثقات، كما ورد له شاهد من طريق آخر، ولذلك بقيت العناية بالحكم على أسانيد هذه الأخبار أمراً مهماً عند نقل فضائل أهل البيت.

وجاء في المستدرك من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار» (14)، كما روي عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزل ملك، فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» (15)، وقد جاءت في فضل فاطمة رضي الله عنها أحاديث أخرى صحيحة تشهد لعظيم مكانتها ومنزلتها.

زهد فاطمة وتربيتها النبوية

روى ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة وهو معه، وقد أخذت من عنقها سلسلةً من ذهب، فقالت: هذه أهداها لي أبو حسن، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة! أيسرك أن يقول الناس: هذه فاطمة بنت محمد وفي يدها سلسلة من نار؟»، ثم خرج صلى الله عليه وسلم، فاشترت فاطمة بالسلسلة غلاماً فأعتقته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار». (16)

وقد وقع خلاف بين أهل العلم في إسناد هذا الحديث وفي دلالته، ولا سيما فيما يتعلق بمسألة تحلي النساء بالذهب، وقد نقل العلماء إجماع المسلمين سلفاً وخلفاً على إباحة تحلي النساء بالذهب محلقاً وغير محلق، كالأطواق والخواتم والأساور والخلاخل والقلائد، وهو ما نقله جماعة من المحققين، منهم الجصاص والقرطبي والنووي وابن حجر.

من فضائلها ومكانتها

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة وفاطمة» (17)، وقد جاء هذا الحديث بإسناد صحيح، وأخرجه الإمام أحمد والحاكم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، كما ذكره الهيثمي وزاد نسبته إلى أبي يعلى والطبراني.

وروي أن علياً رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «أعن حسبها تسألني؟»، فقال علي: قد أعلم ما حسبها، ولكن أتأمرني بها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع»، فقال علي رضي الله عنه: لا آتي شيئاً تكرهه. (18)

وروى الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: فاطمة من قبل النساء، ومن الرجال زوجها، وإن كان ما علمت صواماً قواماً (19)، وقد عقب الذهبي على هذا الخبر بقوله: «ليس إسناده بذاك»، وهو تنبيه مهم في التعامل مع الروايات، حتى وإن كان معناها العام في فضائل فاطمة وعلي رضي الله عنهما قد جاءت فيه نصوص أخرى.

سيدة نساء أهل الجنة

روي عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم بنت عمران» (20)، كما وردت رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد فاطمة وهي مريضة، فقال لها: «يا بنية، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟»، فقالت: فأين مريم؟ فقال: «تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك»، غير أن الذهبي بين أن كثيراً النواء، أحد رجال هذا الإسناد، واهٍ، وأن في السند انقطاعاً.

وثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم، وآسية» (21)، كما صحح الترمذي الحديث المروي عن أنس رضي الله عنه بلفظ: «حسبك من نساء العالمين: مريم، وخديجة، وآسية بنت مزاحم، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم». (22)

شبهها برسول الله صلى الله عليه وسلم

قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها، ورحب بها، وكذلك كانت هي تصنع به» (23)، وقد جاء هذا الخبر بإسناد حسن، وأخرجه أبو داود والترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وكان هذا الشبه بين فاطمة وأبيها صلى الله عليه وسلم ظاهراً كذلك في مشيتها وهيئتها، فقد وصفتها عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح بأنها جاءت تمشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فما كانت مشيتها تخطئ مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وصف يكشف مقدار قربها منه وتأثرها به في هديه وسمته.

حديث السر بين النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة

روت عائشة رضي الله عنها أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده في مرضه، فجاءت فاطمة تمشي، وما تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رحب بها وقال: «مرحباً بابنتي»، ثم أقعدها عن يمينه أو عن يساره، وسارها فبكت، ثم سارها مرةً ثانيةً فضحكت، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرت عائشة رضي الله عنها بالسر الذي كان بينهما.

قالت فاطمة رضي الله عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرةً، وأنه عارضه في تلك السنة مرتين، وأنه لا يحسب ذلك إلا علامةً على اقتراب أجله، وقال لها: «فاتقي الله واصبري، فنعم السلف لك أنا»، فبكت، فلما رأى جزعها أخبرها بما يسرها وقال: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟»، فضحكت رضي الله عنها، وقد أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم. (24)

وجاء عنها في رواية أخرى أنها قالت: أخبرني أنه ميت من وجعه فبكيت، ثم أخبرني أنني أسرع أهله به لحوقاً، وقال: «أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران»، فضحكت (25)، كما ثبت عنها في رواية صحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها بموته فبكت، ثم أخبرها أنها أول من يتبعه من أهله فضحكت. (26)

صدق لهجتها ومكانتها

قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت أحداً كان أصدق لهجةً من فاطمة، إلا أن يكون الذي ولدها» (27)، وروي عن بريدة رضي الله عنه أنه قال: كان أحب النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، ومن الرجال علي (28)، وقد أخرج هذا الخبر الترمذي والحاكم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وكانت لفاطمة رضي الله عنها من البنات أم كلثوم، زوجة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وزينب، زوجة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لأمه: «اكفي فاطمة الخدمة خارجاً، وتكفيك هي العمل في البيت، والعجن، والخبز، والطحن» (29)، وقد ذكر أهل التحقيق أن رجال هذا الأثر ثقات.

وفاتها رضي الله عنها

ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، وأنها دفنت ليلاً (30)، وقال الواقدي: هذا أثبت الأقاويل عندنا، وذكر أن العباس صلى عليها، وأنه نزل في حفرتها مع علي والفضل، بينما ذكر سعيد بن عفير أنها ماتت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة، وهي بنت سبع وعشرين سنةً أو نحوها، ودفنت ليلاً.

وجاءت أقوال أخرى في مدة حياتها بعد أبيها صلى الله عليه وسلم، فروي عن عبد الله بن الحارث أنها مكثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر وهي تذوب، وقال أبو جعفر الباقر إنها ماتت بعد أبيها بثلاثة أشهر، وروي عن ابن أبي مليكة عن عائشة أن المدة كانت شهرين (31)، كما روي عن أبي جعفر الباقر أنها توفيت وهي بنت ثمان وعشرين سنةً، وأنها ولدت وقريش تبني الكعبة، وذكر أن علياً رضي الله عنه غسلها.

حياؤها في حياتها وبعد موتها

روي أن فاطمة رضي الله عنها قالت لأسماء بنت عميس: إني أستقبح ما يصنع بالنساء؛ يطرح على المرأة الثوب فيصفها، أي يظهر حجم أعضائها، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله، ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة: «ما أحسن هذا وأجمله!»، وطلبت منها أن تتولى مع علي أمرها عند وفاتها، وقد ذكر ابن عبد البر أنها أول من غطي نعشها في الإسلام على تلك الصفة.

إلا أن الرواية الواردة في تفاصيل غسل أسماء بنت عميس لها وما وقع عند حضور عائشة رضي الله عنها قد تكلم أهل الحديث في إسنادها، ففي سندها جهالة، كما أن فيها مخالفةً لما ورد في الصحيح من أن علياً رضي الله عنه دفن فاطمة ليلاً، ولم يعلم أبا بكر، ولذلك ينبغي التفريق بين أصل ما روي في صفة النعش وبين التفاصيل التي لم تثبت بأسانيد صحيحة. (32)

رضاها عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه

روى إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: جاء أبو بكر إلى فاطمة حين مرضت، فاستأذن فأذنت له، فاعتذر إليها وكلمها فرضيت عنه (33)، وقد بين أهل الحديث أن هذا الخبر مرسل، إلا أن إسناده إلى الشعبي صحيح، وهو الخبر الذي تقدم ذكره في رواية دخوله عليها وترضيه لها.

ورويت أخبار أخرى في مرض فاطمة ووفاتها، منها أنها اغتسلت ثم قالت إنها مقبوضة في ساعتها، وأوصت ألا يكشف عنها أحد، ثم ماتت ودفنت بذلك الغسل، إلا أن الإمام الذهبي حكم على هذه الرواية بقوله: «هذا منكر» (34)، كما أن إسنادها ضعيف بسبب تدليس ابن إسحاق ولين بعض رواتها.

ما ينسب إلى فاطمة ولا يصح

ومن الأشعار المشهورة التي تنسب إلى فاطمة رضي الله عنها قولها في رثاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ماذا على من شم تربة أحمد

ألا يشم مدى الزمان غواليا

صبت علي مصائب لو أنها

صبت على الأيام عدن لياليا

وقد نص الإمام الذهبي على أن هذه الأبيات مما ينسب إلى فاطمة رضي الله عنها ولا يصح، وهو من التنبيهات العلمية المهمة التي ينبغي مراعاتها عند تداول الأشعار والأخبار المنسوبة إلى الصحابة وأهل البيت.

آية التطهير وما ورد في المرور ببيت فاطمة

روي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر، فيقول: «الصلاة يا أهل بيت محمد»، ثم يتلو قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] (35)، وقد أخرج الإمام أحمد هذا الخبر، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، ومع ذلك فقد حسنه الترمذي.

وجاء خبر قريب من ذلك عن أبي الحمراء، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي وفاطمة ستة أشهر ويتلو آية التطهير، إلا أن في إسناده أبا داود نفيع بن الحارث، وقد تكلم فيه أئمة الجرح والتعديل كلاماً شديداً، فقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك. (36)

مكانتها في السنة النبوية

كان لفاطمة رضي الله عنها في مسند بقي بن مخلد ثمانية عشر حديثاً، منها حديث واحد متفق عليه (37)، وقد حفظت السنة النبوية جانباً عظيماً من سيرتها ومناقبها وعلاقتها بأبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حفظت مواقفها في بيتها ومع زوجها وأبنائها، وما اتصفت به من صدق وصبر وعفة وحياء وقناعة.

وتبقى فاطمة الزهراء رضي الله عنها واحدةً من أجل نساء هذه الأمة وأعظمهن مكانةً، فهي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبضعته، وزوجة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأم الحسن والحسين رضي الله عنهما، وقد اجتمع لها شرف النسب وقرب المنزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدت لها النصوص الصحيحة بفضائل عظيمة، فرضي الله عنها وأرضاها، وعن زوجها وبنيها، وعن سائر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المصادر والمراجع:

(١) الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، 13/71؛ وأسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير، 7/25.

(٢) الإصابة في تمييز الصحابة، 13/73؛ وانظر حديث علي رضي الله عنه في صحيح البخاري، 5/35؛ وصحيح مسلم، رقم (1979).

(٣) صحيح البخاري، 7/67-68؛ وصحيح مسلم، رقم (2449)؛ وسنن أبي داود، رقم (2069)؛ وسنن الترمذي، رقم (3866).

(4) صحيح البخاري، 8/113، في آخر المغازي.

(5) صحيح البخاري، 6/462؛ وصحيح مسلم، رقم (2450)؛ وسنن أبي داود، رقم (5217).

(6) سنن أبي داود، رقم (5217)؛ وسنن الترمذي، رقم (3872)؛ والمستدرك على الصحيحين، للحاكم، 3/154.

(7) صحيح البخاري، 6/139، 141؛ و7/259؛ و12/4؛ وصحيح مسلم، رقم (1759).

(7) تفسير لغوي في أصل النص: «تعللت» أي تلهت عنه وتشاغلت.

(😎 الطبقات الكبرى، لابن سعد، 8/27؛ وفتح الباري، لابن حجر، 6/139؛ مع نسبة الخبر إلى البيهقي.

(9) صحيح البخاري وصحيح مسلم، من حديث عائشة رضي الله عنها في أن فاطمة عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر.

(10) الموطأ، للإمام مالك، 1/170؛ وصحيح البخاري، 1/487-488؛ وصحيح مسلم، رقم (543).

(11) صحيح مسلم، رقم (2424)؛ ومسند أحمد، 6/292، 298، 304؛ وسنن الترمذي، رقم (3205)؛ وتفسير الطبري؛ والمستدرك، 2/416، و3/147؛ وتفسير ابن كثير، 3/483-485؛ والدر المنثور، 5/198-199.

(12) مسند أحمد، 2/442؛ والمستدرك على الصحيحين، 3/149؛ وسنن الترمذي، رقم (3870).

(13) المستدرك على الصحيحين، 3/150.

(14) المستدرك على الصحيحين، 3/151؛ وانظر أيضاً مجمع الزوائد، 9/201.

(15) تنبيه على سقوط لفظ «فأعتقته» من بعض الطبعات.

(16) مسند أبي داود الطيالسي، 2/354؛ وسنن النسائي، 8/158؛ والمستدرك، 3/152-153؛ ومسند أحمد، 5/278-279؛ وتهذيب السنن، 6/126؛ وطبقات المدلسين؛ وميزان الاعتدال؛ والترغيب والترهيب، 1/557؛ وأحكام القرآن للجصاص، 4/477؛ وتفسير القرطبي، 16/71-72؛ والمجموع للنووي، 4/442 و6/40؛ وفتح الباري، 10/317.

(17) مسند أحمد، 1/293؛ والمستدرك، 2/594؛ ومجمع الزوائد، 9/223.

(18) المستدرك على الصحيحين، 3/158.

(19) سنن الترمذي، رقم (3874)؛ والمستدرك، 3/157.

(20) سبق تخريجه في مسند أحمد والمستدرك وسنن الترمذي.

(21) أثر مروي بإسناد رجاله ثقات، كما في أصل ترجمة الذهبي.

(22) المستدرك على الصحيحين، 3/154.

(23) تنبيه على سقط وقع في بعض المطبوع.

(24) مسند أحمد، 1/293؛ والمستدرك، 2/594؛ ومجمع الزوائد، 9/223.

(25) سنن الترمذي، في الحديث الصحيح الوارد في فضائل أربع من نساء العالمين.

(26) ميزان الاعتدال، للذهبي؛ ومجمع الزوائد، 9/183؛ وسنن الترمذي، رقم (3781).

(27) سنن أبي داود، رقم (5217)؛ وسنن الترمذي، رقم (3871)؛ والمستدرك، 3/154.

(28) المستدرك على الصحيحين، 3/162.

(28) تنبيه على تحريف في بعض المطبوع.

(29) المستدرك على الصحيحين، 3/163.

(30) تفسير لغوي: «فيصفها» أي يظهر حجم أعضائها.

(31) حلية الأولياء، 2/43؛ والمستدرك، 3/163-164؛ وسنن الدارقطني، 1/194؛ والسنن الكبرى للبيهقي، 3/396؛ وتلخيص الحبير، 2/143.

(32) الطبقات الكبرى، 8/27؛ وفتح الباري، 6/139؛ مع نسبة الرواية إلى البيهقي.

(33) الطبقات الكبرى، 8/27؛ ومسند أحمد، 6/461؛ ومجمع الزوائد، 9/210-211.

(34) تنبيه على تحريف لفظ «مشية» في بعض المطبوع.

(35) صحيح البخاري، 6/462 و11/67؛ وصحيح مسلم، رقم (2450).

(36) كنز العمال، 13/675، مع نسبة الحديث إلى ابن أبي شيبة.

(37) المستدرك على الصحيحين، 3/160-161.

(38) سنن الترمذي، رقم (3868)؛ والمستدرك، 3/155.

(39) مسند أحمد، 6/240.

(40) مسند أحمد، 3/259؛ وسنن الترمذي، رقم (3206).

(41) تفسير الطبري، 22/6.

(42) صحيح البخاري، 8/103-104؛ وصحيح مسلم، رقم (2450).

 

المصدر الأساس

الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، ج2، ترجمة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص 118–135.

الصلابي، علي محمد، السيرة النبوية، دار ابن كثير، دمشق


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022