وقفات إيجابية
لطائف حديثية
سبع وقفات مع التشهد في الصلاة
بقلم
د.محمد يوسف الشطي
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: « عَلَّمَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكَفِّي بينَ كَفَّيه، التَّشَهُّدَ، كما يُعَلِّمُني السُّورةَ مِنَ القُرآنِ: التَّحيَّاتُ للَّهِ، والصَّلَواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحينَ، أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وهو بينَ ظَهرانَينا، فلَمَّا قُبِضَ قُلنا: السَّلامُ -يَعني- على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ».
أخرجه البخاري ( 6265 ) ومسلم (402 )
الوقفة الأولى: تأصيل كلمة التوحيد في التشهد بعد القرآن :
افتتح التشهد بقوله: «التحيات لله»، أي: جميع أنواع التعظيم والإجلال والكمال لله وحده، فلا يستحقها غيره.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163].
فكل عبادة قلبية أو قولية أو عملية إنما تصرف لله وحده.
الوقفة الثانية: توقير مكانة النبي ﷺ في قلوب المؤمنين : قولنا :«السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»
ليس مجرد تحية، بل هو دعاء للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة، مع استحضار محبته وفضله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
وقال ﷺ: «من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا». مسلم ( ٤٠٨)
الوقفة الثالثة: تعميق صور الأخوة الإيمانية : ثم تقول:
«السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». قال النبي ﷺ بعد تعليمها: «فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض».
أخرجه البخاري (835)، ومسلم (402)، بلفظ مقارب.
فأنت في كل صلاة تدعو لملايين المؤمنين من الملائكة والأنبياء والصالحين والأحياء والأموات، فيتجدد شعور الانتماء لأمة الإيمان.
الوقفة الرابعة: تعزيز الصلاح هو سبب دخول هذا الدعاء العظيم : لم يقل:
«وعلى عباد الله» فقط، بل قال:
«وعلى عباد الله الصالحين».
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69].
فكلما ازداد العبد صلاحًا كان أحق بهذا الوصف المبارك.
الوقفة الخامسة: تأكيد التشهد لجمعه بين حقوق الله وحقوق رسوله وحقوق المؤمنين ؛ ترتيب التشهد بديع:
* بدأ بحق الله: التحيات لله.
* ثم بحق رسوله ﷺ: السلام عليك أيها النبي.
* ثم بحق المؤمنين: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وهذا يربي المسلم على إعطاء كل ذي حق حقه.
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…﴾
[النساء: 36].
الوقفة السادسة: ختم التشهد بالشهادتين تجديدٌ للعهد مع الله
بعد الثناء والدعاء تأتي الشهادة:
«أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
ففي كل صلاة يجدد المسلم إيمانه وعهده بالتوحيد واتباع الرسول ﷺ.
قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19].
وقال ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة».
أخرجه ابوداود ( ٣١١٦ ) وصححه عدد من أهل العلم.
الوقفة السابعة: التشهد مدرسة في الأدب والخشوع : قال ابن مسعود رضي الله عنه: «عَلَّمَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكَفِّي بينَ كَفَّيه، التَّشَهُّدَ، كما يُعَلِّمُني السُّورةَ مِنَ القُرآنِ ».
أخرجه البخاري ( 6265 ) ومسلم ( 402 )
وهذا يدل على:
* أهمية ألفاظ التشهد.
* استحباب العناية بحفظها.
* استحضار معانيها وعدم جريانها على اللسان بلا تدبر.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].
خاتمة
التشهد ليس ألفاظًا تُقال، بل هو ميثاق إيماني يتكرر في كل صلاة؛ يبدأ بتوحيد الله، ثم تعظيم رسوله ﷺ، ثم الدعاء لأهل الإيمان، ثم تجديد الشهادتين. فمن استحضر هذه المعاني خرج من كل صلاة بقلبٍ أصلح، وإيمانٍ أقوى، ومحبةٍ لله ورسوله ولعباده الصالحين. ولذلك كان السلف يعتنون بالتشهد عنايةً عظيمة، لأنه يجمع أصول العقيدة، وآداب العبودية، وروابط الأخوة الإيمانية، في كلمات يسيرة عظيمة المعاني.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين