تعزية للشعب اليمني وللأمة الإسلامية بوفاة الشيخ العلامة علي بن سالم سعيد بكير باغيثان رحمه الله
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
بقلوب مطمئنة بقضاء الله وقدره، محتسبة عند الله ما أصابها تنعي الأمة الإسلامية عامة، والشعب اليمني خاصة، وفاة العلامة علي بن سالم سعيد بكير باغيثان الحضرمي اليمني، على أثر وعكة صحية، في "مدينة تريم"، اوذلك اليوم الثلاثاء 29 محرم 1448هـ الموافق 14 يوليو/ تموز 2026، عن عمر ناهز أربعة وثمانين عاماً، بعد حياة حافلة بالعطاء والبذل في الدعوة إلى الله والعلوم الشرعية والإفتاء والجهد المعرفي والفكري وإصلاح ذات البين.
ويمثّل العلامة الشيخ علي بن سالم سعيد بكير باغيثان الحضرمي أحد أعلام العلم الشرعي والدعوة والإصلاح في اليمن المعاصر، وقامة من قامات حضرموت العلمية التي جمعت بين رسوخ العلم وسعة الأفق ومكارم الأخلاق. فقد أفنى هذا العلامة الجليل عمره المديد في خدمة الدين والعلم، مفتياً ومدرِّساً وداعيةً ومصلحاً اجتماعياً، حتى غدا مرجعاً موثوقاً في الفقه الشافعي، وعضواً فاعلاً في الحياة العامة اليمنية، ومَعلماً من معالم مدينة تريم، مدينة العلم والصلاح والأولياء. وقد وافته المنية عن عمر ناهز أربعة وثمانين عاماً، ظهر يوم الثلاثاء الرابع عشر من يوليو عام 2026م، في مدينة تريم التي وُلد فيها وترعرع وعاش وعلّم ودعا حتى لقي ربه، تاركاً وراءه إرثاً علمياً ودعوياً واجتماعياً خالداً، ومحبةً واسعة في قلوب طلابه ومريديه وأبناء وطنه.
المولد والنشأة والأسرة:
وُلد الشيخ علي بن سالم سعيد بكير باغيثان في مدينة تريم يوم 15 ذي الحجة 1361هـ، الموافق 23 ديسمبر 1942م، ونشأ في بيت علم وفضل، حيث تلقى مبادئ القراءة والكتابة على عدد من شيوخ المدينة، ثم واصل طلب العلم على يد والده الفقيه الشيخ سالم بن سعيد بكير، إلى جانب نخبة من كبار علماء حضرموت، حتى أصبح أحد أبرز علماء الفقه الشافعي في اليمن.
وكرّس الفقيد حياته للتعليم والتربية، فدرّس في المساجد والمعاهد الشرعية والمدارس الأهلية، وبرز في تدريس الفقه الشافعي وعلوم الفرائض والمواريث والنحو، وأسهم في إعداد أجيال من طلاب العلم، كما عُرف بحضوره الفاعل في ميادين الدعوة والإرشاد والإصلاح بين الناس، وله فتاوى مطبوعة ومؤلفات، من أبرزها كتاب "فتح الإله المنان من فتاوى الشيخ سالم بن سعيد باغيثان"، فكان لهذا المحضن العلمي الأثر البالغ في تكوين شخصية ابنه العلامة علي، إذ تلقى عن والده أولى دروسه في العلم والفقه والسلوك.
وقد أنجب الشيخ علي عدداً من الأبناء، منهم سالم وقي ومحمد وأحمد وإبراهيم، وكان له إخوة منهم الأستاذ صالح والأستاذ سعيد سالم سعيد بكير باغيثان الذي كان من أهل العلم والثقافة أيضاً، وقد نشأ الجميع في هذه الأسرة الكريمة والبيئة الصالحة التي أثمرت رجالاً خدموا العلم والمجتمع.
رحلته العلمية وشيوخه:
بدأ الشيخ علي بكير طلبه للعلم مبكراً على يد والده العلامة سالم بكير باغيثان، ثم واصل تحصيله العلمي في رباط تريم للتعليم الشرعي، ذلك الصرح العلمي العريق الذي تخرّج منه عدد كبير من علماء اليمن، من أمثال العلامة محمد بن سالم البيحاني، ثم انتقل للدراسة في مدرسة آل عبد الله بن عيدروس وغيرها من الحلقات والمدارس العلمية في تريم.
وتتلمذ الشيخ علي على نخبة من كبار علماء حضرموت في عصره، فأخذ العلم عن العلامة الفقيه محمد بن سالم بن حفيظ (1332هـ ـ 1392هـ)، والعلامة عمر بن علوي الكاف في علم النحو، والعلامة أبو بكر محمد السري، والعلامة عبد الرحمن بن حامد بن محمد بن سالم السري، والسيد سالم خرد، والشيخ أحمد بن زين بلفقيه، فضلاً عن والده الذي يُعدّ شيخه الأول وعمدته في الرواية والإسناد، إذ روى عنه بحق روايته عن شيخه العلامة المحدث المسند عيدروس بن عمر بن عيدروس الحبشي العلوي الحضرمي.
وقد قسّم الشيخ علي مشيخته، إلى ثلاثة أقسام: شيوخ القراءة والدرس والتخرج، وشيوخ الإجازة والرواية، وشيوخ المدارسة والمجالسة والاستفادة.
مكانته العلمية ومرجعيته في الفقه الشافعي:
عُرف العلامة علي بن سالم بكير باغيثان بأنه من أفقه أهل حضرموت بالمذهب الشافعي في زمانه، وأحد كبار علماء حضرموت وأبرز المراجع العلمية في الفقه الشافعي في اليمن. وقد بذل جهوداً علمية كبيرة في تدريس الفقه عموماً والفقه الشافعي خصوصاً، فدرّس متون المذهب المعتمدة مثل متن "المنهاج" للإمام النووي، وله شرح كامل على متن "أبي شجاع"، وشرح على "التنبيه"، وشرح على "كفاية الأخيار"، وهي من أمهات كتب الفقه الشافعي المعتمدة في التدريس والإفتاء.
وكان له جهد علمي ودعوي بارز في تعليم علم الفرائض والمواريث وسائر أبواب الفقه، وتخرّج على يديه عدد كبير من طلبة العلم في وادي حضرموت وخارجه، حتى وصفه بعض تلامذته بأنه "من أفقه أهل حضرموت بالمذهب حالياً"، وأنه قرين العلامة محمد بن أحمد صاحب كتاب "الياقوت"، وأنه أدرك كباراً من المسندين وفطاحلة العلماء. وكانت له فتاوى شرعية معروفة يرجع إليها الناس في وادي حضرموت في شتى المسائل.
المناصب والمسؤوليات العلمية والدعوية:
وشغل الشيخ باغيثان العديد من المناصب العلمية والدعوية، والمسؤوليات العلمية والدينية، منها:
• حيث تولى خطابة جامع النور بمنطقة عيديد في مدينة تريم.
• أمين مكتبة الأحقاف في مدينة تريم، ثم عضو في مجلسها الاستشاري منذ تأسيسه.
• رئيس الجمعية الخيرية لتعليم القرآن الكريم، فرع وادي حضرموت، منذ تأسيسها وحتى عام 1999م.
• عضو مجلس الشورى اليمني.
• رئيس مجلس علماء وادي حضرموت.
• عضو هيئة علماء اليمن.
• أحد المؤسسين الأوائل للتجمع اليمني للإصلاح في محافظة حضرموت، والرئيس الأسبق لهيئة الشورى المحلية للإصلاح بالمحافظة، وعضو مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح.
• عضو في عدد من المكاتب الدعوية والهيئات الإسلامية.
وإلى جانب هذه المهام، كان رحمه الله يقوم بدور بارز في "إصلاح ذات البين"، أي حلّ القضايا والنزاعات الاجتماعية بطريقة التراضي، مع مواصلته التدريس لطلبة العلم حتى أواخر حياته.
دوره الوطني والعام:
لم يقتصر عطاء الشيخ علي بكير على الجانب العلمي والدعوي، بل كان له حضور فاعل في الشأن العام اليمني؛ فقد ترشّح لعضوية مجلس النواب اليمني في دورتين انتخابيتين، وأسهم من خلال عضويته في مجلس الشورى اليمني، ومجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح، وهيئة علماء اليمن، في خدمة القضايا الوطنية والدفاع عن ثوابت الأمة ومصالح الوطن.
وكان للشيخ موقف مشهود في قضية الوحدة اليمنية، إذ تعرّض للسجن مدة اثنتي عشرة ليلة في الأمن السياسي إبّان أحداث عام 1994م، بسبب محاضرة ألقاها في اتحاد الأدباء والكتاب بدار باكثير في مدينة سيئون، وتعرّض خلالها للتعذيب بسبب تأييده للوحدة اليمنية.
كما شارك رحمه الله في عدد من الأنشطة العلمية والثقافية على المستوى الوطني والعربي؛ فقد شارك في بعثة الحج الرسمية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (سابقاً) عام 1987م ضمن وفود وزارة الأوقاف والإرشاد للمشاركة في مناسك الحج بمكة المكرمة، وشارك في ندوة الآثار والمخطوطات التي أُقيمت في عدن، وقام برحلة إلى الهند للبحث عن المخطوطات اليمنية في مكتباتها أثناء عمله أميناً لمكتبة الأحقاف، كما شارك في الأسبوع الثقافي لجمهورية اليمن الجنوبية (سابقاً) الذي أُقيم في العراق سنة 1989م، إلى جانب مشاركاته في مؤتمرات وندوات علمية وثقافية أخرى، وقام بزيارة عدد من البلدان العربية والإسلامية ألقى فيها محاضرات دينية في الوعظ والتذكير والإرشاد.
إرثه العلمي والدعوي:
يبقى العلامة الشيخ علي باغيثان نموذجاً مشرقاً للعالم الرباني الذي جمع بين رسوخ القدم في العلم الشرعي، وسعة الأفق في الشأن الوطني والعام، وسماحة الخلق في التعامل مع الناس، فقد خدم مذهب الإمام الشافعي تدريساً وتأليفاً وإفتاءً، وخدم مجتمعه إصلاحاً وتوجيهاً وقياماً على شؤون العلم والوقف والقرآن الكريم، وخدم وطنه مشاركةً في العمل السياسي والشوري ودفاعاً عن وحدته وثوابته. وبرحيله، تكون حضرموت واليمن قد فقدتا عالماً جليلاً ومصلحاً كبيراً، غير أن أثره العلمي وسيرته العطرة وما خلّفه من تلاميذ وعلم نافع، سيبقى شاهداً على حياة حافلة بالعطاء، وسيرة تستحق أن تروى وتُخلَّد لمن بعده.
دعاء وختام:
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم اغفر لعبدك علي بن سالم باغيثان، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واجعل كتابه في عليين، واحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم اجعل علمه وعمله صدقة جارية إلى يوم الدين، وأنر قبره بنور وجهك الكريم، ووسع عليه فيه مد بصره، وبدل غربته أنساً ورحمة، واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
اللهم أنزله منازل الرضوان، واسقه من حوض نبيك المصطفى ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبداً، واجعل مثواه الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.
كتبه: د. علي محمد الصلابي
(الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)
29 محرم 1448هـ
الموافق14 يوليو/ تموز 2026م.