السبت

1448-02-04

|

2026-7-18

صهيب بن سنان الرومي (رضي الله عنه).. نموذج الإيمان والتضحية والثبات

بقلم: د. علي محمد الصلابي

صهيب بن سنان المعروف أيضًا بـ صهيب الرومي صحابي ومولى لبني تيم بن مُرّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، ومن المستضعفين في مكة الذين عُذّبوا ليتركوا دين الإسلام. ترك صهيب كل ماله ليهاجر إلى المدينة المنورة ويلحق بالنبي محمد، وقد شارك معه في غزواته كلها. ولما طُعن عمر بن الخطاب، أمر صهيب أن يصلي بالمسلمين إلى أن يختار أهل الشورى الخليفة الجديد.

وُلد صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو (رضي الله عنه) في الجزيرة الفراتية بالقرب من نينوى، وهو من بني النمر بن قاسط إحدى قبائل ربيعة بن نزار. (سير أعلام النبلاء، الصحابة رضوان الله عليهم، صهيب بن سنان، ج2، ص17)

كان أبوه أو عمه عاملاً لكسرى، وقد تعرض صهيب (رضي الله عنه) للسبي صغيرًا، عندما أغار الروم على منازل قومه، بيع صهيب في أسواق الرقيق ببلاد الروم، وَجَعَلَتْ تَتَدَاوَلُهُ الْأَيْدِي فَيَسْتَقِلْ مِنْ خِدْمَةِ سَيِّدٍ إِلَى خِدْمَةِ آخَرَ، ثُمَّ أَتِيحَتِ الْفُرْصَةُ لِصُهَيْبٍ فَوَلَّى هارباً من رِفْ أَسْيَادِهِ.

وقد حالف صُهَيْبٌ (رضي الله عنه) سَيِّداً من ساداتِ مَكَّةَ هو عبد الله بن جُدْعَانَ وَطَفِقَ يَعْمَلُ في التَّجَارَةِ، فَدَرَّتْ عليه الخير الوفير والمال الكثير.

وفي ذات يوم عاد صُهَيْبٌ (رضي الله عنه) إِلى مَكَّةَ مِن إِحْدَى رَحْلاتِه، فقيل له إن محمد ابن عبد الله قد بُعِثَ وقامَ يَدْعُو النَّاسَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَيَحْضُهُمْ على العدل والإحسان، وينهاهُمْ عَنِ الْفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ.

فقال: أليس هو الذي يُلقبونه بالأمين؟

فقيل له: بلى

فقال: وأين مكانه؟

فقيل له: في دار الأرقم بن أبي الأرقم عندَ الصَّفَا. ولكن حذار من أن يراك أَحَدٌ من قريش.

مضى صهيب (رضي الله عنه) إلى دار الأرقم حذراً، فلما بَلَغَهَا وَجَدَ عِنْدَ الباب عمار بن ياسر، وكان يعرفه من قبل، فتردد لحظة ثم دنا منه وقال: ما تُرِيدُ يا عمار؟

فقال عمار: بل ما تريد أنت؟

فقال صهيب: أردت أن أدخل على هذا الرَّجُلِ، فأسمع منه ما يقول.

فقال عمار: وأنا أريد ذلك أيضاً.

فقال صهيب: إِذَنْ نَدْخُل معاً على بَرَكَةِ اللَّهِ.

دخل صهيب بن سنان الرومي وعمار بن ياسر (رضي الله عنهما) عَلَى رسول الله ﷺ وَاسْتَمَعَا إلى ما يقولُ، فَأَشْرَقَ نُورُ الإيمانِ في صَدْرَيْهما، وتسابقا في مَنْ أَيْدِيهِما إليه، وشهدا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.

تحمل صهيب نصيبه من أذى قريش مع بلال وعمار وسمية وخباب (رضي الله عنهم) وغيرهم من عشرات المؤمنين، وقاسي من نَكَال قُرَيْشٍ.

ولما أذن الرسول ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، عَزَمَ صهيب (رضي الله عنه) على أن يمضي في صُحبة الرسول وأبي بكر؛ لكن قريشاً شَعَرَتْ بِعَزْمِهِ على الهجرة فَصَدَّتْهُ عَنْ غايته، وأقامت عليه الرقباء حتى لا يَفْلِتُ مِنْ أيديهم. (صور من حياة الصحابة ج1، عبد الرحمن رأفت باشا، ص195)

وعن سعيد بن المسيب قال: لما أقبل صهيب رضي الله عنه مهاجراً نحو النبي ﷺ تبعهُ نفرٌ من قريش، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، إفعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وثيابي بمكة وخليتم سبيلي؟

قالوا: نعم.

فلما قدم على رسول الله ﷺ المدينة قال: (ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى)

وشهد عليه جبريل ... حيث نزلت في صهيب (رضي الله عنه)، قول الله عز وجل:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُشْرِى نفسه ابتغاء مرضات الله﴾.

توفي صهيب بالمدينة في شوال سنة (38 هـ (وهو ابن سبعين سنة. (صفوة الصفوة، ابن الجوزي، ص155)

المراجع:

• السيرة النبوية، د. علي محمد الصلابي.

. سير أعلام النبلاء - الصحابة رضوان الله عليهم - صهيب بن سنان، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.

• صور من حياة الصحابة ج1، عبد الرحمن رأفت باشا، دار النفائس.

• صفوة الصفوة، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، المحقق: أحمد بن علي، دار الحديث، القاهرة، مصر.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022