أهل السنة والجماعة في بلاد الشام ووحدة الأمة
أهل السنة والجماعة في بلاد الشام، وفي الأمة الإسلامية من حولها، منذ عهود نور الدين محمود زنكي وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس، ما كانوا يوماً محصورين في مدرسة واحدة أو مذهب واحد، فقد كان فيهم أهل الحديث والأثر، والأشاعرة أتباع مدرسة الإمام أبي الحسن الأشعري، والماتريدية، وعلماء التصوف السني، ومن كبار رموزه الشيخ عبد القادر الجيلاني، رحمهم الله جميعاً، كما كانوا من أتباع المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
وقد اختلف هؤلاء في مسائل من العقيدة والفقه والتربية، وتناقش علماؤهم ورد بعضهم على بعض، غير أن هذا الاختلاف لم يمنعهم من الاجتماع في قضايا الأمة الكبرى، وخاصة عندما كانت بلاد الشام تواجه الغزو والتفتيت والأخطار التي تهدد دين المسلمين وبلادهم ووحدتهم.
وشهد تاريخ الشام والمنطقة صراعاً مع قوى ومشاريع متعددة؛ فقد سيطر البويهيون على بغداد حتى أنهى السلاجقة نفوذهم سنة 447هـ/1055م، وكانت الدولة الفاطمية الإسماعيلية تسيطر على مصر وأجزاء من بلاد الشام، إلى أن أنهى صلاح الدين الأيوبي خلافتها سنة 567هـ/1171م، وأعاد مصر إلى الخلافة العباسية والمجال السني.
ومع اشتداد الحملات الصليبية، أصبحت بلاد الشام في قلب المواجهة، وبرز مشروع نور الدين محمود زنكي رحمه الله، الذي أدرك أن تحرير الأرض يحتاج إلى دولة قوية، ومجتمع متماسك، وعلماء يقومون بواجبهم في التربية والتوجيه، فاعتنى بالمدارس والعلماء والأوقاف، وعمل على جمع القوى المتفرقة.
وعلى هذا الطريق سار صلاح الدين الأيوبي، فجمع مصر والشام في مشروع سياسي وعسكري وجهادي واحد، وكان حوله رجال من العلماء والفقهاء وأهل الإدارة، وفي مقدمتهم القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني، والعماد الأصفهاني، والقاضي بهاء الدين ابن شداد. ولم يكن تحرير القدس عملاً خاصاً بمذهب أو مدرسة بعينها، وشاركت فيه طاقات واسعة من الأمة.
وحين جاء الغزو المغولي، وسقطت بغداد ووصل المغول إلى الشام، كانت معركة عين جالوت سنة 658هـ/1260م محطةً فاصلةً في تاريخ المنطقة، حين تصدى السلطان سيف الدين قطز، ومعه الظاهر بيبرس، للتوسع المغولي.
وفي أعقاب ذلك، واصل المماليك مواجهة الوجود الصليبي؛ ففتح الظاهر بيبرس عدداً من المدن والحصون، وفتح المنصور قلاوون طرابلس سنة 688هـ/1289م، وأكمل ابنه الأشرف خليل المسيرة بفتح عكا سنة 690هـ/1291م.
وكان للعلماء والدعاة والفقهاء وأهل العلم في هذه المراحل دور كبير في تثبيت المجتمع وجمع الكلمة، فنجد الحافظ ابن عساكر وقطب الدين النيسابوري، والقاضي الفاضل ورجال صلاح الدين، والعز بن عبد السلام، وبعده شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان له موقف معروف في حث أهل الشام على الثبات والدفاع عن بلادهم عند تجدد الغزو المغولي.
ومع تعاقب المراحل في التاريخ الإسلامي، جاءت الدولة العثمانية، فاستمر في ظلها هذا المجال السني الواسع؛ وكان المذهب الحنفي غالباً في القضاء ومؤسسات الدولة، وحضرت الماتريدية بقوة، إلى جانب الأشاعرة، وبقيت المذاهب الفقهية الأربعة، وعلماء الحديث والتصوف السني، جزءاً أصيلاً من الحياة العلمية والدينية.
وهكذا ظلت بلاد الشام أرضاً للحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، ولأهل الحديث والأثر، وللأشاعرة والماتريدية، ولعلماء التصوف السني، وكان هذا التنوع جزءاً من تاريخ أهل السنة، لا سبباً في أن يلغي بعضهم بعضاً.
وإن اليوم يحتاج أهل السنة في بلاد الشام، وتحتاج الأمة الإسلامية معهم، إلى استعادة هذا الفهم الجامع، فلا مصلحة للأمة في استنزاف طاقاتها في خصومات بين السلفيين والأشاعرة والماتريدية، أو بين أتباع المذاهب الفقهية، بينما تواجه المنطقة أخطاراً أكبر من ذلك، من احتلال وتدخلات إقليمية ومشاريع نفوذ وهيمنة وتفتيت.
إن أهل السنة والجماعة في بلاد الشام اليوم في أمس الحاجة إلى هذه الروح الجامعة؛ أن يعرف السلفي قدر الأشعري، والأشعري قدر أخيه السلفي، وأن يدرك الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي أن خلافاً عاش معه علماؤنا مئات السنين لا يجوز أن يصبح سبباً في تمزيق الأمة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
إن اجتماع أهل السنة والجماعة في بلاد الشام، واجتماع الأمة على أصولها الكبرى، لا يعني إلغاء الاختلاف العلمي، وإنما يعني أن يبقى الخلاف في ميدانه، وأن تبقى وحدة الأمة وقوتها واستقلالها ونهضتها وشهودها الحضاري فوق كل خلاف يبدد الطاقات ويفتح الأبواب أمام الاحتلال والهيمنة والتفتيت.
كتبه
الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي
السبت 8 ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 19 سبتمبر 2026م