السبت

1448-04-08

|

2026-9-19

تكذيب أصحاب الحجر للمرسلين وإعراضهم عن آيات الله

د. علي محمد الصلابي

تُبرز سورة الحجر حقيقة الصراع بين دعوة الرسل إلى الحق، وموقف المكذّبين الذين أعرضوا عن آيات الله، وتعرض نماذج من الأمم السابقة لتكون عبرةً لمن جاء بعدهم. ومن أبرز هذه النماذج أصحاب الحجر، وهم قوم ثمود الذين بعث الله إليهم نبيّه صالحًا (عليه السلام)، فواجهوا دعوته بالتكذيب والإعراض، رغم ما آتاهم الله من الآيات البينات. وقد عبّر القرآن الكريم عن موقفهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ۝٨٠ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ۝٨١﴾. وتكشف الآيتان عن وحدة دعوة الأنبياء، وعن أن تكذيب رسول واحد هو في حقيقته تكذيب لأصل الرسالة التي جاء بها جميع المرسلين.

قال تعالى: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ۝٨٠ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)

تدور سورة الحجر حول موضوع إثبات تنزيل القرآن الكريم من عند الله (عزّ وجل) على الرسول ﷺ، وأنّه معجزة ظاهرة بيّنة كافية لبيان صدق الرسول ﷺ، وتهديد المكذّبين به، وترهيبهم بِذكر قصص المكذّبين قبلهم، وما حلّ بهم؛ بسبب كفرهم بآيات الله سبحانه وتعالى التي جاءتهم بها رُسلُهم. قال البقاعي (رحمه الله): مقصودها وصف الكتاب، بأنّه في الذروة من الجمع للمعاني الموضّحة للحقّ عن غير اختلاف أصلاً، وأشكل ما في هذا المعنى قصّة أصحاب الحجر، فإنّ وضوح آيتهم عندهم وعند كلّ من شاهدها أو سمع بها كوضوح ما دلّ عليه مقصود هذه السورة في أمر الكتاب عند جميع العرب، لاسيما قريش، وأيضاً آيتهم في غاية الإيضاح للحقّ، والجمع لمعاينة الدائرة على التوحيد المقتضى للاجتماع على الداعي(نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، البقاعي، (11/1).

عرضت السورة لدعوة الأنبياء، وبيّنت موقف أهل الشقاوة والضلالة من لدن بعثة شيخ الأنبياء نوح (عليه السلام)، إلى بعثة خاتم المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وقد بيّنت السورة أنّ هذه سنّة المكذّبين في كلّ زمان وحين. وفي هذه السورة إشارة مجملة عن ثمود، لم تذكرها فيها باسمها، بل كَنّت عن ثمود بأصحاب الحجر، حيث كانت مساكنهم. وقد ذكرت الآيات أنّ أصحاب الحجر كذّبوا المرسلين، لأنّ تكذيبهم صالحاً (عليه السلام) يعتبر تكذيباً لجميع المرسلين، لأنّ دعوتهم واحدة، كما جاء في سورة الشعراء، وسيأتي الحديث عنها مفصّلاً إن شاء الله. والجديد في هذه الآيات عن قصّة صالح (عليه السلام)، على الرغم من إيجازها وإجمالها، أنّها بيّنت لنا مكان ثمود لأوّل مرّة، وهو أنّ مدينتهم كانت الحِجْر، وإليك تفسير الآيات الكريمة:

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ۝٨٠﴾ [الحجر: 80].

- ﴿و﴾؛ الواو للعطف، عطف قصّة أصحاب الحجر على قصّة أصحاب الأيكة.

- ﴿واللام﴾؛ للتخفيف، وهي داخلة على الفعل الماضي (كذّب) لمزيد التوكيد، وأنّه حصل منهم التكذيب.

- (التكذيب): جُحْد ما جاء به الرسل، وزعْم الكذب بحقّ كل نبيّ كذّبه قومه من الأنبياء (عليهم السلام جميعاً).

والكاذب يكذّب الناس الصادقين. والكفر والتكذيب وجهان لقضيّة واحدة.

أ- ﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾:

سكّان المكان أو مالكوه، أو المقيمون فيه، ويمكن أن نقول أصحاب الشيء لأدنى ملابسة كما يقولون، فأصحاب الكهف مروا به مروراً عابرين، فجعله الله وطناً لهم، ومسكناً ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا ‌تِسْعًا ۝٢٥﴾ [الكهف: 25]. ولأي شيء سمّي الحِجر بهذا الاسم؟ هل لأنّه في نظر أهله ممتنع مع كلّ عدوّ خارجي طامع لحصانته ومنعته؟ أم لأنّه نحت من الحجر كما نُحتت البتراء؟

كلّ ذلك محتمل، وهما احتمالان مترابطان على كلّ حال، فهو، أي المكان الممتنع على ذي الطمع، لأنّه منحوت من الصخر ومُحصّن (تفسير سورة الحجر، نوفل، ص372).

- وفي الشعراء: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ‌فَارِهِينَ ۝١٤٩﴾ [الشعراء: 149].

- وهنا في الحجر: ﴿وَكَانُوا ‌يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ ۝٨٢﴾ [الحجر: 82].

- وفي الشعراء: ﴿‌أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ۝١٤٦﴾ [الشعراء: 146].

ب- ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾:

كذّب قوم صالح (عليه السلام) -وهم أصحاب الحجر- رسولَهم صالح (عليه السلام)، ومن كذّب واحداً، فكأنّما كذّب النبيّين والمرسلين أجمعين، ومن قتل نفساً فكأنّما قتل الناس جميعاً، القاعدة ذاتها. ذلك أنّ الأنبياء جميعاً قد جاؤوا بدين واحد، فمن كذّب واحداً فقد كذّبهم جميعاً، ومن هنا جاء الإسلام بما ينبغي به الدين الخاتم: ﴿‌لَا ‌نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۝٢٨٥﴾ [البقرة: 285]؛ فلا يكون مسلماً مَن لا يؤمن بالأنبياء جميعاً. لأنّ تكذيب رسول واحدٍ تكذيبٌ لكلّ الرسل، ولا يصحّ إيمانُ مَن يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعضهم الآخر. ومن جحد نبوّة واحد من الرسل المذكورين في القرآن الكريم كان كافراً، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.

فقوم صالح (عليه السلام) لم يُكذّبوا سوى رسولهم صالح، ولكنّ صالحاً ليس إلّا ممثّلاً للرّسل جميعاً، فلما كذّبه قومه قيل: إنّهم كذّبوا المرسلين؛ توحيد للرسالة، وللرسول، وللمكذّبين في كلّ أعصار التاريخ، وفي كلّ جوانب الأرض على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام.

- قال الإمام الزمخشريّ (رحمه الله) في تفسير الآية: (أصحاب الحجر) هم قبيلة ثمود، والحجْر واديهم بين المدينة والشام. وقال ابن عاشور (رحمه الله): الحجر المكان المحجور، أي: الممنوع من الناس بسبب اختصاصهم به، أو اشتُقّ من الحجارة لأنّهم كانوا ينحتون بيوتهم من صخر الجبل نحتاً مُحكماً (نبي الله صالح، الصلابي، ص100).

قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ۝٨١﴾ [الحجر: 81].

آية صالح (عليه السلام) كانت الناقة، ولكنّ الآيات في هذا الكون كثيرة، والآيات في الأنفس كثيرة، وكلّها معروضة للأنظار والأفكار، وليست الخارقة التي جاء بها صالح (عليه السلام) وحدَها الآية التي آتاهم الله، وقد أعرضوا عن آيات الله كلّها، ولم يفتحوا لها عيناً ولا قلباً. ومعنى الآية: آتيناهم الدلائل الدالّة على صدق نبيّ الله صالح الذي أرسل إليهم كالناقة التي خلقها الله تعالى من صخرة بيد صالح (عليه السلام)، فأعرضوا عنها ولم ينتفعوا بها. والآيات تصحّ على ثلاث معان: الرسالة والكتاب والمعجزات الماديّة كالناقة، والآيات الكونيّة. والمكذّبُ مكذّبٌ بها جميعاً.

- ومعنى ﴿مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: مدبرين مشيحين عن الحقّ، والرسول الداعي إلى الحق، ومتولّين عنه ومبتعدين، بسبب الكبر من ناحية، وطول الإلْف لما هم عليه من ناحية أخرى، والمصالح من جهة أخرى، والحسد والفساد كذلك (تفسير سورة الحجر، سابق، ص375).

قال الدكتور سعد الدين عبد الرحمن الحمدان:

وقد دلّ النظم في هذه الآية الكريمة على عظمة الآيات التي آتاهم الله، وفخامتها واستعظام موقفهم منها وإعراضهم عنها، فالتعبير بالفعل ﴿آتَيْنَا﴾ الذي هو بمعنى الإعطاء الدالّ على الإكرام والمنّة، مع إسناد الإيتاء إلى نون العظمة، ثمّ ذِكْر الضمير العائد عليهم يدلّ على أنّ الله امتنّ عليهم بهذه الآيات العظيمة، لتكون سبباً في هدايتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، ولإقامة الحجّة عليهم، فكان الواجب أن يشكروا الله (عزّ وجل)، لا أن يكفروا ويُعرضوا، والتعبير بصيغة الجمع ﴿آتَيْنَا﴾، يدلّ على أنّها آيات متعدّدة وذلك قطعاً لعذرهم. وإضافة الآيات إلى نون العظمة يدلُّ على أنّها آيات عظيمة كافية لمن تدبّرها طالباً للحقّ. ولكنّ هؤلاء القوم قابلوا هذا الإيتاء وهذه الآيات العظيمة بالإعراض، قال (عزّ وجل) مُشنّعاً عليهم: ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.

- (الفاء)؛ تدلّ على سرعة كُفرهم، ومبادرتهم إلى الإعراض عن الآيات.

- ﴿كان﴾؛ الفعل الناقص (كان)، ومجيء خبرها اسماً، إذ يدلّ هذا الاستعمال على رسوخ معنى الخبر في اسمها (النظم القرآني في قصة صالح، عبد الرحمن، ص141).

والاتّصاف بالحدث في الزمن الماضي على وجه الثبوت، أي: أنّ القوم متّصفين بصفة الإعراض عن آيات الله (عزّ وجل) على وجه الثبوت، فهم راسخون في الإعراض، وفي ذلك غاية الذمّ لهم.

- ﴿عَنْهَا﴾؛ تقديم الجار والمجرور على الخبر للاهتمام بشأن الآيات التي أعرضوا عنها، واستعظام إعراضهم، كما أنّ تقديم الجار والمجرور أليَق بالسياق، لأنّ الآية تتحدّث عن الآيات التي آتاهم الله (عزّ وجل)، فأصبحت نُصْب العين، والتفت إليها الخاطر، فناسب تقديم الجار والمجرور الذي هو الضمير العائد على الآيات. وأيضاً في تأخير (الخبر) تشويق إليه، ومراعاة للفاصلة القرآنيّة (نبي الله صالح، سابق، ص112).

المراجع:

1. نبي الله صالح، علي محمد الصلابي، دار ابن كثير، دمشق.

2. تفسير سورة الحجر، د. أحمد نوفل، جمعية المحافظة على القران الكريم، 2019م.

3. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين البقاعي، دار الكتاب الإسلامي، 2006م.

4. النظم القرآني في قصة صالح، سعد عبد الرحمن، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 2014م.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022