من نوح إلى محمد عليهم السلام.. موكب الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) ورسالة واحدة من نور الوحي
بقلم: د. علي محمد الصلابي
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا١٦٣ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا١٦٤ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا١٦٥﴾ [النساء: 163-165].
إنّ الآيات الكريمة تبيّن لنا أنّ إسحاق ويعقوب في موكب الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام)، وأنّ رسالتهم تعلّموها من الله (عزّ وجل) عن طريق الوحي في جملة من يوحي إليهم من النبيّين.
وهذا السياق القرآني يتحدّث عن موكب واحد، وهو يتراءى عن طريق التاريخ البشري الموصول، ورسالة واحدة لهدى واحد للإنذار والتبشير، وموكب واحد يضمّ هذه الصفوة المختارة من البشر: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيّوب ويونس وموسى وهارون وسليمان وداود وغيرهم ممّن قصّهم الله على نبيّه المصطفى ﷺ في القرآن الكريم، ومن لم يقصّ عليه، موكب من شتّى الأقوام والأجناس وشتّى البقاع والأرضين، في شتّى الآونة والأزمان، لا يفرّقهم نسب ولاجنس ولا أرض ولا وطن، ولا زمن ولا بيئة، كلّهم يؤدّي الإنذار والتبشير، وكلّهم يحاول أن يأخذ بزمام القافلة إلى ذلك النور، سواء منهم من بُعث لهداية قومه، ومن جاء للناس أجمعين كمحمّد رسول الله ﷺ خاتم النبيّين، كلّهم تلقّوا الوحي من الله تعالى، وما جاؤوا بشيء من عندهم، أولئك الرسل منهم من قصّ الله على رسوله، ومنهم من لم يقصّ، اقتضت عدالة الله ورحمته أن يبعثهم إلى عباده يبشّرونهم لما أعدّه الله للمؤمنين الطائعين من نعيم ورضوان وينذرونهم بما أعدّه الله للكافرين العصاة من جحيم وغضب، كلّ ذلك: ﴿ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ولله الحجّة البالغة في الأنفس والآفاق وقد أعطى الله البشر من العقل ما يتدبّرون به دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق ولكنّه سبحانه وتعالى رحمة بعباده، وتقديراً لغلبة الشهوات على تلك الأدلّة العظيمة التي أعطاها لهم (العقل) اقتضت رحمته وحكمته أن يرسل إليهم الرسل مبشّرين ومنذرين يذكّرونهم ويبصّرونهم، ويحاولون استنقاذ فطرتهم وتحرير عقولهم من ركام الشهوات التي تحجب عنها أو تحجبها من دلائل الهدى وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
عزيزاً: أي قادراً على أخذ العباد بما كسبوا.
حَكيماً: يدبّر الأمر كلّه بالحكمة ويضع كلّ أمر في نصابه. (في ظلال القرآن، سيد قطب، (2/ 805- 806))
إنّ من نعمة الله على الإنسانيّة إرسال الرسل، والأنبياء إلى البشر وأنزل الكتب والتعاليم الإلهيّة بواسطة الوحي الربّاني.
إنّ الفِطر السويّة والعقول الراشدة تهتدي بالنبوّة، والرسالة إلى حقيقة توحيد الله وإفراده بالعبادة، وإلى التصوّر الاعتقادي الصحيح والخلق القويم، ونظام الحياة الذي ارتضاه لعباده وتشريعاته الحكيمة والعدالة والمبني على المصلحة والرحمة لعباده ممّا يجعل الإنسان يعيش في هذه الدنيا بعيد عن الضنك والشقاوة، بل على السعادة والهدى. فسبحان الذي قال في كتابه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. (إبراهيم خليل الله، د. علي الصلابي، ص76)
المراجع:
• إبراهيم خليل الله (عليه السلام) داعية التوحيد والأسوة الحسنة، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 1444هـ - 2022م.
• في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق للطباعة، القاهرة، ط 32، 2003 م.