السبت

1448-04-08

|

2026-9-19

الإيمان والعمل الصالح أساساً للنصر والتمكين في المنظور القرآني

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

- قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:51].

- وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47].

- وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:171: 173].

إنَّ هذه الآيات، وأمثالها تشير إلى نصر الله، وإعزاز أهل الإيمان ممن يحرصون على الدعوة، ويتحملون المشاق في سبيلها، سواء كان الداعية رسولاً كريماً أو أحد المؤمنين، وهذا الإعزاز والانتصار والتمكين يكون في الحياة الدنيا قبل الآخرة (فقه النصر والتمكين، علي الصلابي، ص23)، كما أن النصر والتمكين للمؤمنين له وجوه عدة، وصور متنوعة من أهمها:

‌أ- تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستجابة الخَلق لهم، كأصحاب القرية التي جاءها المرسلون، وأصحاب الأخدود.

‌ب- المشاركة في الحكم، كالتمكين ليوسف (عليه السلام) في الحكم لمصر بعد ما مكنه الملك في ذلك.

‌ج- وصول أهل التوحيد إلى سدة الحكم، وتوليهم لمقاليد الدولة، كالتمكين لداود وسليمان والنبي ﷺ بعد فتح مكة.

‌د- نصر الله لأوليائه، والتمكين لهم بهلاك الكفار، ونجاة المؤمنين، كقصة نوح وهلاك قومه المستكبرين الكافرين.

إنَّ التمكين الفعلي، والانتصار العظيم، والإعزاز الكريم عندما تمكَّن منهج رب العالمين من نفوس أهل الإيمان، وإن كانوا قلة، فالعبرة ليست بكثرة المؤمنين، والمستجيبين للحق، وإنما في صفاء المنهج الرباني الذي يعتقده أولئك الأفراد سواء قلة أم كثرة، فقد مكَّن الله لنوح (عليه السلام) ومن آمن به على وجه الأرض لأنهم حققوا شروط التمكين، وعرف نوح (عليه السلام) كيف يتعامل معها، وحقق شروط الاستخلاف في الأرض، والتمكين لدين الله عز وجل من:

- الإيمان بالله بكل معانيه وبكافة أركانه.

- وممارسة العمل الصالح بكل أنواعه.

- والحرص على كل أنواع الخير وصنوف البرِّ.

- وتحقيق العبودية الشاملة.

- ومحاربة الشرك بكل أنواعه وأشكاله وخفاياه، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55-56].

ولقد تحقق على يدي نوحٍ (عليه السلام) سنة الاستخلاف للمؤمنين الصالحين العاملين، وتوارثوها أمة بعد أمة، وجيلاً بعد جيل بواسطة هذه الشروط:

- الإيمان بالله وتوحيده

- العمل الصالح، وتحقيق العبودية لله.

- محاربة الشرك.

وقد تحقق المنهج الإيماني في الأرض مع بزوغ الحضارة الإنسانية الثانية التي جاءت بعد طوفان قوم نوح (عليه السلام)، وما شاء الله عز وجل من عدل وحق وإزهاق باطل، وسارت البشرية خطوات رشيدة نحو الكمال والسعادة، والهناء، والحرية، والمساواة في الحقوق والواجبات، وتحقيق القيم الرفيعة التي دعا إليها نوح (عليه السلام)، ومن تتلمذ على يديه، وقد كان هذا التمكين بامتثال نوح (عليه السلام) لأوامر الله وطاعته، والوقوف عند حدوده، ومراعاة سننه الحاكمة في حركة المجتمعات والشعوب والأمم، وحسن التعامل معها، كالصبر والتقوى، والأخذ بالأسباب والتدرج وغيرها.

وقد تمكن الدّين في قلب نوح (عليه السلام)، وجوارحه ولسانه، وبعد نجاته، ومن معه من الطوفان العظيم أصبحت شريعة الله حاكمة في شؤون الحياة وأمور الناس، وإعمار الأرض والانتفاع بكل ما أودعه الله عز وجل فيها من ثروة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله عزَّ وجل، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].

وكان هذا التمكين مصحوباً بالذِكر الحسن لنوح (عليه السلام)، والنصر على الأعداء والانتقام منهم، والحفظ والنجاة له ولأتباعه، وعطاء رباني كبير مؤيد بسلام من الله وبركات عليه وعلى من معه بعد كشف همٍّ وإزالة غمٍّ. (نبي الله هود، د. علي الصلابي، ص77 - 78)

المراجع:

• نبي الله هود (عليه السلام) وأسباب زوال حضارة قوم عاد، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الاصالة – إسطنبول، ط1، 1448هـ - 2026م.

• فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، علي محمد الصلابي، دار المعرفة، بيروت، ط5، 2009م


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022