من المحطات التي أثرت في نفسي خلال جولتي في سراييفو، برفقة أخي فضيلة الحافظ الأستاذ الدكتور صفوت خليلوفيتش، عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية التربية الإسلامية في جامعة زينيتسا، وكان معنا الأخوان الكريمان الدكتور طه سليمان عامر والأستاذ محمود يوسف، وقوفنا عند قبر الرئيس والمفكر المسلم علي عزت بيغوفيتش رحمه الله، في مقبرة كوفاتش بين قبور شهداء البوسنة، فاستحضرنا سيرة رجل ابتلاه الله بالسجن والمحنة، ثم أخرجه من ضيق الزنزانة إلى سعة المسؤولية وقيادة شعبه في واحدة من أشد مراحل تاريخه.
وقفت عند قبره متأملاً سنة الله في عباده؛ فقد سُجن بسبب أفكاره ومواقفه، وقضى سنوات من عمره خلف القضبان، ومن ثم دارت الأيام، وخرج من السجن ليصبح رئيساً، ويقود شعباً مسلماً تعرض للحصار والقتل والتهجير، ويثبت مع أبناء البوسنة في وقت ظن فيه كثيرون أن وجود المسلمين في قلب أوروبا يمكن أن ينتهي.
مات علي عزت رحمه الله، وبقيت البوسنة، وبقيت مساجدها يرفع فيها الأذان، ومدارسها تعلم أبناء المسلمين، وحلقات القرآن تعمر بيوت الله، وبقي الإسلام حاضراً في أرض مرت عليها محن عظيمة، وسفكت فيها دماء كثيرة، ومن ثم نهض أهلها من جديد وحمل الأبناء ما حفظه الآباء من هوية وذاكرة مليئة بالحزن على الأهل والأصحاب، وعقيدة راسخة في قلوبهم إن شاء الله ...
إنها سنة من سنن الله التي تمر على المؤمنين أيام الشدة والابتلاء، وقد تضيق بهم الأرض، ولكن العاقبة لا تقاس بلحظة المحنة، وإنما بما يكتبه الله بعد الصبر والثبات والعمل: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
رحم الله علي عزت بيغوفيتش، ورحم شهداء البوسنة والهرسك، وجزاهم عن صبرهم وثباتهم خيراً، وحفظ البوسنة وأهلها، وبارك في علمائها ودعاتها وشبابها، وثبت أبناءها على دينهم، وجعل مستقبلهم علماً وإيماناً وعمراناً وسلاماً.