سنّة الابتلاء التي تعرّض لها أيّوب (عليه السلام)
د. علي محمد الصلابي
إنّ الابتلاء في اللغة هو الاختبار والامتحان، والابتلاء سنّة من سنن الله (تبارك وتعالى) لا تتوقّف ولا تتخلّف، وهي عامّة لجميع الناس، وهي تكليف الناس بالإيمان، المؤمنين والكافرين.
فمن أنواع الابتلاء المترتّب على الصراع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان قد يكون بإلحاق صنوف التعذيب والأذى بالدعاة، وقادتهم الرسل، وقد يكون بالقتال والقتل والشهادة.
ومن الابتلاء ما لا يكون له علاقة بالصراع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وإنّما هذا النوع من الابتلاء يكون بابتلاء الله أهل الإيمان بمرض عضال من الأمراض بفقدهم الحركة والقدرة على النهوض.
وقد يكون بفقد عضو من أعضائه كذهاب عين المبتلى أو أنفه، أو فقدِ حاسّة من حواسه كالسمع والبصر، أو بفقد عزيز له، كابنه أو أبيه أو أخته أو أخيه، أو ذهاب أمواله وزوالها عن ملكه وتحويل حاله من غنى إلى فقر، ومن يُسر إلى عُسر، وقد فصّل العلماء في أنواع الابتلاء وذكروا منها:
- ابتلاء الناس عموماً، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ٢٠﴾ [الفرقان: 20].
- الابتلاء بزينة الحياة الدنيا ومتاعها.
- الابتلاء بالخير والشر.
إن الأنبياء أشدّ الناس بلاء، قال رسول الله ﷺ: أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثمّ الصالحون، ثمّ الأمثل فالأمثل، فيُبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة شُدّد عليه في البلاء (نبي الله أيوب، الصلابي، ص70).
فالابتلاءات هذه لا تدلّ على أنّ الله لا يحبّ هذ الإنسان، بل لعلّ العكس هو الصحيح، وذلك أنّه جاء في الحديث عن النبيّ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» أي: يبتله (عزّ وجل)، كالذهب يُعرض على النار، فتنقي النار هذا الذهب من الشوائب، حتّى يصير بعد ذلك خالصاً من هذه الشوائب التي كانت عالقة فيه. وظلّت امرأة أيّوب صابرة محتسبة معه، وقامت بحقّ زوجها خير قيام مع طول المدّة وشدّة البلاء(فبهداهم اقتده، الخميس، ص278).
إنّ ظروف الحياة هي ظروف ابتلاء وامتحان للجميع، فالرسل (عليهم السلام) مبتلون، وأقوامهم مبتلون، والمؤمنون مبتلون، والكافرون مبتلون، وأنواع الابتلاء مختلفة منها ابتلاء التكاليف، ومنها ابتلاء بالنعم، ومنها ابتلاء بالنقم والمصائب، ومنها ابتلاء الناس بعضهم ببعض.
ومرّ أيّوب (عليه السلام) بسنّة الابتلاء بنجاح، وكان ابتلاؤه (عليه السلام) في أولاده وفي أمواله، فهلكت جميعها من إبل وبقر وغنم وزروع وثمار وغيرها...
وابتلاه الله في صحّته بالأمراض والأسقام، فأعجزته عن خدمة نفسه بنفسه، وألزمته الفراش وأفقدته القدرة على الحركة.
ويؤخذ من ابتلاءِ الله لأيّوب وصبرِه على البلاء الذي أصابه درسٌ في غاية الأهميّة والخطورة، هو الصبر على البلاء والرضا بأمر الله وعدم السخط به.
والرسل جميعاً -ومنهم أيّوب (عليه السلام)- أُمروا بالصبر هم وأتباعهم في جميع أنواع الابتلاء فصبروا، والدعاة والعلماء هم ورثة الأنبياء مأمورون بالاقتداء بالرسل في الصبر، بل هم مأمورون في الصبر كذلك.
إنّ سنّة الله في الابتلاء ماضية، مرّ بها أيّوب (عليه السلام)، ونوح وإبراهيم، وإسماعيل ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداوود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ونبيّنا محمد ﷺ.
ومن المهم أن نعرف جيّداً بأنّ مؤاخذة الله لعبده تزداد شدّة ودقّة كلّما ازدادت منزلته من ربّه قرباً ورفقة، ولهذا يكون ابتلاؤه أشدّ من غيره. وقد كان أيّوب (عليه السلام) غاية في الصبر وبه يُضرب المثل في ذلك، فإذا ابتلاه الله بما ابتلاه، فذلك لعلوّ منزلته وقربه من الله، وصلابته في دينه، فابتلاه الله على قدر دينه ليزيد من حسناته وقربه منه (مع الأنبياء في الدعوة إلى الله، أبو فارس، ص485).
وهكذا عاش أيّوب (عليه السلام) كما عاش سائر الأنبياء، فوجد في تلك الظلال الوارفة من الصبر سعادة روحيّة، وحولت ألمه أملاً، وبدّلت خوفه أمناً، وحوّلت المتاعب والآلام إلى راحة وطمأنينة.
وقصّة أيّوب (عليه السلام)، هي قصّة الإيمان الكامل والصبر الجميل، وهي ترينا أنّ الصبر على الشدائد يصفّي النفوس ويرفع الدرجات، ويعلي قدر الإنسان بين الناس، فيصبح أمامهم قائداً وقدوة، ثمّ يكون له من الله خير العوض في الدنيا، وله بعد ذلك في الآخرة الجزاء الأوفى.
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ١٥٥ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ١٥٦ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ١٥٧﴾ [البقرة: 155-157].
ومن ابتلاء أيّوب (عليه السلام) يمكننا أن نستخلص ونلخّص الأمور الآتية:
- الاِبتلاء سنّة ربّانيّة لا يستثنى منها أحد من البشر، ولو كان رسولاً نبيّاً كأيّوب (عليه السلام).
- الابتلاء يكون بالسرّاء ويكون بالضرّاء.
- المبتلى بالسراء يشكر المنعم، والمبتلى بالضرّاء يصبر عليها.
- تعرّض أيّوب (عليه السلام) لنوعَي الابتلاء في أوّل حياته بالسراء وبعدها بالضراء.
- المبتلى إن رضي فله الرضا وإن سخط فله السخط.
- الابتلاء يدلّ على حبّ الله للمبتلى.
- الله وحده هو مفرّج الكروب.
- الابتلاء يتّعظ منه المؤمنون العابدون أصحاب العقول الكبيرة، والأفئدة المفعمة بالإيمان والتقوى.
- الصبر طريق الفرج والنصر.
- ييسّر الله للمبتلى من وسائل الفرج والنصر ما لا يخطر ببال المبتلين.
- يكافئ الله تبارك وتعالى الصابرين في الدنيا ويثيبهم على صبرهم في الآخرة.
- تخفف العقوبة على ذوي الأعذار الذين لا يحتملون العقوبة المقرّرة فإنّها تهلكهم، والعقوبة في الغالب زاجرة وليست قاتلة مهلكة.
- الصبر صفة، ومنقبة ممدوحة عند الله تبارك وتعالى، والجزعُ والفزعُ، والاضطرابُ وعدمُ الصبرِ على الطاعة، والكفِّ عن المعاصي، والشهواتِ المحرّمة صفة مذمومة وقبيحة، ينبغي أن يُقلِع عنها كل مؤمن.
أهميّة الدعاء في رفع البلاء والشدائد والمحن:
إنّ قصّة أيّوب (عليه السلام) تعلّمنا كيفيّة التعامل مع الله في دعائه وندائه واستعانته لرفع الكروب والأضرار والابتلاءات...
فالدعاء: هو الطلب من الله تعالى لتحقيق أمر مرغوب فيه، ومنه: الطلب والرجاء من الله تعالى لرفع البلاء، وتحقيق الشفاء. وقيل: هو إظهار غاية التذلّل والافتقار إلى الله والاستكانة له. وهذا يتناول دعاء العبادة، ودعاء المسألة المتضمّن لدعاء الثناء، والعبادة، والدعاء: هو التوجّه إلى الله تعالى بالطلب مع التذلّل، ومن فوائده سرعة الفرج وتفريج الكرب، وجلب المصالح ودفع المفاسد، ومداومة الشعور بالضعف والحاجة، وهو من أجلّ أنواع العبادة
فقصّة أيّوب (عليه السلام) تعلّمنا وترشدنا إلى أهميّة الدعاء، فقد ابتُلي أيّوب (عليه السلام) ابتلاءً شديداً فصبر، ثمّ اتّجه إلى الله تعالى بالدعاء تضرّعاً وتذلّلاً، وتعبّداً ورجاءً، حتّى حقّق الله رجاءه وطلبه، واستجاب دعاءه وأعطاه الله أكثر مما طلب وعَوّض عمّا سبق (مع الأنبياء في الدعوة إلى الله، أبو فارس، سابق، ص500).
ويُعلّمنا أيّوب (عليه السلام) ألا تعارض بين الصبر والدعاء، فالدعاء لا ينافي الصبر، والذي ينافي الصبر الشكوى إلى الخلق، أمّا الذي يشتكي إلى الله فهو الصابر المحتسب، وأيّوب لم يشتك إلى الخلق، بل لجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وأيّوب كان داعياً، ولم يكن شاكياً، بدليل أنّه لمّا قال هذا الكلام، قال الله إليه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾، والاستجابة لا تكون إلّا للدعاء فهو دعا، ولم يشتك صلوات الله وسلامه عليه، بل إنّه لمّا جمَع في دعائه بين حقيقة التوحيد وإظهار الحاجة والفاقة إلى الله (جلّ وعلا)، بل والتوسّلِ إليه بأسمائه وصفاته، فاستجابَ اللهُ (عزّ وجل) له.
وعلّق اين القيّم -رحمه الله-: على دعاء أيّوب (عليه السلام) فقال: جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر، والفاقة إلى ربّه ووجود طعم المحبّة في التملّق له، والإقرار له بصفة الرحمة، وأنّه أرحم الراحمين، والتوسّل إليه بصفاته (سبحانه) وشدّة حاجته وفقره (عليه السلام)، ومتى وجد المبتلى هذا كُشف عنه بلواه.
إنّ أيّوب (عليه السلام) كان محبّاً لربّه، ومحتاجاً إليه متذلّلاً له، والقيمة التربويّة من دعاء أيّوب (عليه السلام) هي أنّ العابد يجب أن يكون مطّلعاً لله (عزّ وجل)، وممتثلاً لأمره من أجل تحقيق العبوديّة لله (عزّ وجل)، وذلك من خلال محبّته لله، وتحقيقه للتقوى والإيمان، فينتج عن ذلك انشراح للصدر، وتفريج للهمّ، وسعة في الحياة، وراحة في البال (نبي الله أيوب، الصلابي، سابق، ص76).
المراجع:
1. نبي الله أيوب، علي محمد الصلابي، دار ابن كثير.
2. فبهداهم اقتده، قراءة تأصيلية في سير وقصص الأنبياء عليهم السلام، عثمان الخميس، دار إيلاف الدولية، الكويت، الطبعة الأولى، 1431هـ- 2010م.
3. مع الأنبياء في الدعوة إلى الله، د. محمد أبو فارس، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، 2015م.