دعوة صالح عليه السلام إلى تحرير الإنسان من الخرافة وأوهام التشاؤم
بقلم: د. علي محمد الصلابي
لم تكن دعوة صالح عليه السلام مواجهةً مع الشرك وحده، بل كانت مواجهةً مع ما أفسد على الإنسان صفاء فطرته من أوهام وخرافات وتطيّر، تحجب عنه حقيقة السنن الإلهية وتربطه بالمجهول بغير الله. وحين نسب قومه ما أصابهم إلى صالح ومن معه، ردّهم إلى ميزان الإيمان واليقين، وبيّن لهم أن الخير والشر والابتلاء إنما تجري بقدر الله وحكمته، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعلّق قلبه بأوهام لا حقيقة لها، وإنما يتجه إلى الله وحده، فيستمد منه اليقين والثبات، ويدرك ما وراء الأحداث من حكم وابتلاءات.
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾: التطير: التشاؤم، مأخوذ من عادة الأقوام الجاهلة التي تجري وراء الخرافات والأوهام، لأنّها لا تخرج منها إلى نصاعة الإيمان، فقد كان الواحد منهم إذا همّ بأمر لجأ إلى طائر فزجره – أي: أشار إليه مطارداً – فإن مرّ سانحاً عن يمينه إلى يساره استبشر، ومضى في الأمر، وإن مرّ بارحاً عن يساره إلى يمينه تشاءم وتوقّع الضر. (في ظلال القرآن، (5/2645))
قال الزمخشري – رحمه الله -: فإنّ تحوّل يميناً تفاءلوا (الكشاف، الزمخشري، (3/146))، وسموه السانح، وإن اتجه يساراً تشاءموا وسموه البارح، وما تدري الطير الغيب، وما تدري حركاتها التلقائية، عن شيء من المجهول ولكن النفس البشرية لا تستطيع أن تعيش بلا مجهول مغيب تكل إليه ما لا تعرفه وما لا تقدر عليه، فإذا لم تكل المجهول المغيب إلى الإيمان بعلّام الغيوب ووكلته إلى مثل هذه الأوهام والخرافات التي لا تقف عند حد، ولا تخضع لعقل، ولا تنتهي إلى اطمئنان ويقين بالله، ويستنكفون أن يكلوا الغيب إليه، لأنهم بزعمهم قد انتهوا إلى حد من العلم لا يليق معه أن يركنوا إلى خرافة الدين، هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله، ولا بدينه ولا بغيبه، تراهم يعلقون أهمية ضخمة على رقم (13)، ذلك أنهم يعاندون حقيقة الفطرة، وهي جوعتها إلى الإيمان، وعدم استغنائها عنه، وركونها إليه في تفسير كثير من حقائق هذا الكون التي لم يصل إليها علم الإنسان، وبعضها لن يصل إليه في يوم من الأيام، لأنه أكبر من الطاقة البشرية، ولأنه خارج عن اختصاص الإنسان، زائد على مطالب خلافته في هذه الأرض، التي زود على قدرها بالمواهب والطاقات. (في ظلال القرآن، مرجع سابق، (5/2645))
ونلاحظ في تخصيص صالح (عليه السلام): ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، ولم يقولوا: (بكم)، دلالة على مبلغ كفرهم وتطاولهم على رسولهم صالح عليه السلام، جرأتهم عليه، فلما قال قوم صالح عليه السلام قولتهم الجاهلة الساذجة العالقة في تيه الوهم والخرافة، ردهم صالح إلى نور اليقين، وإلى حقيقته الواضحة، البعيدة عن الضباب والظلام. (النظم القرآني، سعد عبد الرحمن، ص 196)
﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: حظكم ومستقبلكم عند الله، والله قد سنّ سنناً، وأمر الناس بأمور، وبيّن لهم الطريق المستنير، فمن اتّبع سنة الله، وسار على هداه، فهناك الخير، بدون حاجة إلى زجر الطير، والانحراف عن الفطرة، والحيد عن الهدى، فهناك الشر، بدون حاجة إلى التشاؤم والتطير.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: تفتنون بنعمة الله، وتختبرون بما يقع لكم من خير ومن شر، فاليقظة وتدبر السنن، وتتبع الحوادث والشعور بما وراءها من فتنة وابتلاء هو الكفيل بتحقيق الخير في النهاية، لا التشاؤم والتطير ببعض خلق الله من الطير ومن الناس على حد السواء.
وهكذا تردّ العقيدة الصحيحة الناس إلى الوضوح، والاستقامة في تقدير الأمور، وترد قلوبهم إلى اليقظة والتدبر فيما يقع لهم أو حولهم، وتشعرهم أنّ يد الله وراء هذا كله، وأن ليس شيء مما يقع عبثاً أو مصادفة، وبذلك ترتفع قيمة الحياة، وقيمة الناس، وبذلك يقضي الإنسان رحلته على هذا الكوكب غير مقطوع الصلة بالكون كله من حوله، وبخالق الكون ومدبره، وبالنواميس التي تدير هذا الكون وتحفظه بأمر الخالق المدبر الحكيم. ولكن هذا المنطق المستقيم إنّما تستجيب له القلوب التي لم تفسد، ولم تنحرف الانحراف الذي لا رجعة منه. وكان من قوم صالح (عليه السلام) من كبرائهم تسعة نفر لم يبق في قلوبهم موضع للصلاح والإصلاح فراحوا يأتمرون به، ويدبرون له ولأهله في الظلام. (نبي الله صالح، د. علي الصلابي، ص177)
المراجع:
• نبي الله صالح (عليه السلام) وأسباب هلاك قوم ثمود، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 2026م – 1448ه.
• في ظلال القرآن، سيد قطب، الطبعة الشرعية الثامنة والعشرون، 1430ه- 2009م.
• تفسير الزمخشري.، محمود بن عمر الزمخشري، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1013م.
• النظم القرآني في قصة صالح، سعد عبد الرحمن، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 2014م.